عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
حين يزور المؤثرون الخرطوم.. من يروي الحكاية الحقيقية للسودان ولماذا نحن بحاجة ماسة إلى "مرافق ثقافي"... السودان يفضش شبكة التمويل السوداء لمليشيا الدعم السريع ويكشف تورطها في جرائم غسل الأموال والاتجار با... خطوات أولية لبناء الثقة أم مناورات سياسية؟ الامم المتحدة تكشف عن آليات مشتركة بين الجيش والمليشيا لت... الزحف نحو نيالا .. «أصحاب الأرض قادمون لاسترداد الحقوق!».. مقاتلو دارفور وكردفان يسطرون ألاحم الملاح... عاجل .. بيان عاجل للجيش السوداني زلزال عسكري يضرب نظام أديس أبابا: تحالف المعارضة الإثيوبية الجديد يسيطر على 4 مطارات ويقطع الطرق الم... شاهد الفيديو.. صيد ثمين في سماء دارفور : الجيش السوداني يسقط مسيرة استراتيجية للمليشيا من طراز "FH-9... السودان يوجه ضربة قاسية للإمارات: إلغاء صفقة  "أبو عمامة" ب 6 مليارات دولار نهائياً والاتفاق مع الصي... «كباشي للطاقة وجابر للاقتصاد».. تسريبات تكشف عن معالجات فوقية للخدمات ومعاش الناس، صحفي يحذر: «الحل ... القوات المسلحة تتجاوز سودري وتزحف نحو تخوم دارفور : وسط انهيار شامل !

حين يزور المؤثرون الخرطوم.. من يروي الحكاية الحقيقية للسودان ولماذا نحن بحاجة ماسة إلى “مرافق ثقافي”؟

من يروي قصة السودان محمد بشير أحمد زيارة المؤثرين

مقال تحليلي للكاتب محمد بشير أحمد يسلط الضوء على قصور الإعداد لزيارات الشخصيات العامة، ويطالب بمنهجية احترافية لتقديم وجه السودان الحضاري والتاريخي

 

متابعات – عاجل نيوز 

محمد بشير أحمد 

لم تعد زيارة شخصية عامة أو مؤثر عربي إلى السودان مجرد جولة عابرة بين شوارع العاصمة ومعالمها. ففي عصر المنصات الرقمية وتمدد شبكات التواصل الاجتماعي، قد تتحول ساعات قليلة يقضيها ضيف في الخرطوم إلى مادة مرئية يشاهدها الملايين داخل السودان وخارجه، .

وربما تكون هذه المقاطع بالنسبة لكثيرين من متابعي العالم الرقمي أول نافذة حقيقية يتعرفون من خلالها إلى بلد ظل اسمه لسنوات طويلة مقترناً بصور الحرب والأزمات أكثر من ارتباطه الأصيل بتاريخه العريق وحضارته الممتدة وجغرافيته الفريدة.

ومن هذا المنطلق الحيوي، فإن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يسبق أي برنامج زيارة من هذا النوع لا يقتصر أبداً على: من سيرافق الضيف أمنياً أو بروتوكولياً؟ بل يمتد ليكون: هل يعرف هذا المرافق ماذا سيقول للضيف عن السودان وعن عمق مكامن تاريخه؟

شاهدتُ أخيراً مقطع فيديو مصوراً للمؤثر السعودي البارز خالد العليان خلال جولته الميدانية في العاصمة السودانية الخرطوم.

وفي أحد المشاهد الدلالية، وعند وصوله إلى منتصف جسر النيل الأبيض، أو ما يعرف محلياً وجماهيرياً بـ«كبري السلاح الطبي»، .

أشار مرافقه السوداني إلى الموقع باعتباره مجرد ملتقى يعانق فيه النيل الأبيض نظيره الأزرق. سأل العليان عن المقصود بدقة، فجاءت الإجابة السريعة والمختصرة للغاية: هنا يلتقي النيل الأبيض بالنيل الأزرق وتتلاحم مياههما.

لا خلاف بالمطلق على صحة هذه المعلومة من الناحية الجغرافية البحتة، لكن السؤال الأكثر أهمية والذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تختزل هذه الكلمات المقتضبة كل الحكاية؟ بالطبع لا وألف لا.

فالضيف كان يقف بbody language عند واحدة من أكثر النقاط عمقاً ودلالة ورمزية في جغرافية السودان برمتها؛ عند «المقرن» العظيم، حيث يلتقي النيل الأبيض بالنيل الأزرق، في مشهد طبيعي ساحر ارتبط منذ الأزمنة الغابرة بتكوين الخرطوم وهويتها الاستثنائية وموقعها الاستراتيجي وتاريخها المجيد.

كان من الممكن جداً، لو توفر الإعداد الواعي، أن تتحول تلك اللحظة القصيرة على الجسر إلى درس مصغر وشيق في جغرافيا وتاريخ السودان؛.

أن يعرف الضيف لماذا سميت هذه المنطقة التاريخية بالمقرن، وما هي القيمة الاستراتيجية والحضارية لأهمية التقاء النيلين في مكان واحد، وكيف ارتبط نشوء وتطور مدينة الخرطوم بهذا التكوين الجغرافي الفريد، وما الذي تقوله الروايات التاريخية والموروثات الشعبية العريقة عن هذه البقعة المباركة.

وكان يمكن تماماً، ولو لدقائق معدودة، أن يُطلب من الضيف النزول شخصياً إلى منطقة المقرن ذاتها، ليرى بأم عينه المكان الذي يتحدث عنه، ويلمس تربه ومياهه بدلاً من الاكتفاء بالإشارة العابرة إليه من فوق الأسفلت والجسر. هذه التفاصيل تبدو للبعض صغيرة، لكنها في واقع الأمر تمس صميم واحدة من أهم وأقوى أدوات الدبلوماسية الشعبية والإعلام الرقمي المعاصر في السودان.

فالمؤثر الرقمي الذي يحمل هاتفه الذكي وكامرته المتطورة لا يصور لخاصة نفسه، بل وراءه جيش عرمرم من المتابعين قد يصل عددهم إلى مئات الآلاف أو ملايين المشاهدين المتعطشين لكل جديد.

وعندما يطلق مثل هذا المؤثر معلومة ما عن السودان، فإنها غالباً ما تصبح بالنسبة لمتابعيه هي الحقيقة المطلقة والمعلومة المرجعية التي يعرفون بها هذا البلد. ولهذا السبب الاستراتيجي، ينبغي أن تُعامل كل زيارة لشخصية مؤثرة باعتبارها فرصة ذهبية لا تعوض لتعريف العالم بالسودان الحقيقي، .

لا أن تُترك لمجرد برنامج سياحي أو روتين بروتوكولي عابر. فإذا كان الضيف يقف قبالة المقرن، فتلك سانحة فرصة للحديث عن عبقرية النيلين. وإذا مر أمام المتحف القومي، فتلك فرصة كبرى للحديث عن العصور التاريخية والآثار السودانية الضاربة في عمق التاريخ.

وإذا زار أحد الأسواق الشعبية القديمة، فهذه فرصة لا تعوض للحديث عن النسيج الاجتماعي والثقافة والاقتصاد المحلي. وإذا وصل إلى مواقع جغرافية أو تعدينية،.

فتلك فرصة لتعريفه بموارد السودان الطبيعية الهائلة وإمكاناته المستقبلية الواعدة. فالأماكن في السودان ليست مجرد مساحات صماء، بل وراء كل مكان قصة إنسانية وحضارية تستحق أن تُروى.

غير أن المشكلة الأساسية تكمن بوضوح في غياب الإعداد المؤسسي المسبق وعدم التخطيط المحترف لهذه الزيارات. فلا ينبغي أبداً تحميل المرافق الفردي وحده وزر ضعف المحتوى الذي يخرج به الضيف في نهايات المطاف.

المسألة تحتاج في جوهرها إلى عمل مؤسسي منظم؛ عندما تستقبل جهة رسمية أو مؤسسة مدنية أو شركة تجارية شخصية عامة ذات تأثير جماهيري واسع، .

يجب أن تكون هناك مسبقاً ورقة عمل مختصرة ودقيقة للزيارة تتضمن تفاصيل واضحة: المواقع المحددة التي سيزورها الضيف، المعلومات الأساسية والدقيقة عن كل موقع، الحقائق التاريخية والجغرافية الموثقة علمياً، .

الروايات الشعبية المتداولة مع ضرورة توضيح أنها موروث شفاهي وليست حقائق مطلقة، أسماء المعالم والأحداث والرموز المرتبطة بها، فضلاً عن الرسائل الأساسية التي ينبغي أن يخرج بها الضيف في رسالته الإعلامية، وأخيراً المعلومات التي يجب تجنبها تفادياً لأي لبس أو خلاف.

وبذلك، لا يُترك المرافق وحيداً يصارع الارتجال المربك أمام عدسات الكاميرا.

ورربما حان الأوان حقاً لكي نفكر في إدارة هذه الزيارات المهمة بطريقة علمية مختلفة؛ فالمرافق الأمني له مهامه الميدانية، والمرافق الإداري له اختصاصه، والمنسق الإعلامي له بروتوكوله، .

لكننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى استحداث صفة جديدة يمكن أن نسميها «المرافق الثقافي والمعرفي»؛ وهو ذلك الشخص الذي يمتلك حصيلة وافرة من تاريخ وجغرافية وثقافة المكان، ويزود بمعرفة موثوقة يقدمها في عبارات ذكية، قصيرة، وواضحة تلامس الوجدان.

وليس مطلوباً من هذا المرافق أن يكون أكاديمياً متحذلقاً في كافة تفاصيل التاريخ السوداني المعقدة، بل يكفي أن يلم بالأساسيات الحية وأن يجيد فن تقديمها بجاذبية. فالمعلومات التي يبحث عنها الضيف ليست محاضرة جامعية جافة، بل قد تكفي دقيقتان من السرد المشوق لتترك في ذاكرته الانطباع الأبدي الأجمل.

السودان على مر تاريخه بلد غني بالقصص والحكايات والرموز. فحول كل مدينة وقرية تقريباً أسطورة أو واقعة، وحول العديد من المواقع روايات شعبية متوارثة بصدق. لكن تقديم كل ذلك للزير يتطلب مهنية واحترافية عالية في الفصل بين الموروث الشعبي والمصادر التاريخية المكتوبة والدراسات الأثرية المنهجية.

وحين نوضح للضيف طبيعة الرواية أو مصدر المعلومة، فإننا نقدم السودان في أبهى صور الموثوقية والدقة. وفي هذه المرحلة الدقيقة من عمر التعافي الوطني بعد سنوات الحرب، يواجه السودان مهمة وطنية كبرى تتجاوز بكثير مجرد إعادة تأهيل المباني والشوارع والمؤسسات المدمرة.

هناك حاجة ملحة ومصيرية لإعادة تقديم وجه السودان المشرق للعالم أجمع، لأن صورة البلد في الخارج لا تتشكل فقط عبر النشرات الإخبارية السياسية الجافة، بل تصنعها أيضاً اللقطات الحية، والمقاطع العفوية، والتجارب الإنسانية للزوار والمؤثرين.

 

وقد تكون جولة مصورة لمؤثر واحد يمتلك ملايين المتابعين أبلغ وأعمق أثراً في بعض الدوائر الخارجية من ألف بيان رسمي طويل ومكتوب. لكن استثمار هذه القوة الإعلامية الهائلة يشترط أن ندرك بدقة ما نريد إيصاله للعالم.

لا يكفي أبداً أن يمر الضيف عابراً في شارع النيل، بل يجب أن نجعله يدرك لماذا يمثل هذا النهر العظيم جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الحية لأهل السودان.

ولا يكفي أن يقف على جسر فوق الماء، بل يجب أن نعرفه بكنه المكان الذي يقف عليه. ولا يكفي أن يشاهد العاصمة من بعيد، بل يجب أن نروي له سر نشأة هذه المدينة، وكيف صاغت الجغرافيا قصة نضالها وهويتها.

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتقنا نحن أبناء هذا الوطن المعطاء. فإذا لم ندرك نحن تاريخ أمكنتنا بدقة، ولم نحسن سرد حكاياتها بصدق واقتدار، فمن الطبيعي جداً أن ينقل الزائر صورة منقوصة، .

وتلك الصورة الناقصة ستنتقل بدورها لتستقر في عقول ملايين المتابعين حول العالم. السودان يملك بلا أدنى شك ما يستحق أن يُروى بكل فخر وثقة، وكل ما يحتاجه اليوم هو عقول حية تتقن فن الحكاية وتقدم الوطن كما يليق بتاريخه وعظمته.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.