اكتشاف أثري عظيم في دنقلا العجوز.. الإعلان عن العثور على «كنيسة يسوع الكبرى» أكبر وأثرى صرح ديني في بلاد النوبة وإفريقيا
اكتشاف كنيسة يسوع الكبرى في دنقلا العجوز ببلاد النوبة
البعثة السودانية البولندية المشتركة تزيح الستار عن أجزاء واسعة من الصرح التاريخي الضخم الذي يتجاوز مساحته البيت الأبيض، وتكشف عن جداريات نادرة وترانيم يونانية وتدابير تنموية لخدمة المجتمع المحلي
متابعات – عاجل نيوز
في حدث أثري وتاريخي بارز على مستوى القارة الإفريقية والعالم، أعلنت البعثة السودانية البولندية المشتركة العاملة في موقع «دنقلا العجوز» (Tungul) — العاصمة التاريخية لمملكة المقرة النوبية — عن تفاصيل جديدة تزيح الستار عن أجزاء واسعة من المبنى الأثري الشهير بـ «كنيسة يسوع الكبرى» (The Great Church of Jesus).
وجرى الإعلان رسمياً عن هذا الاكتشاف عبر موقع المركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط بجامعة وارسو، ليؤكد ما تواترت عليه المصادر التاريخية العربية بأن هذا الصرح كان أكبر وأثرى الكنائس في إفريقيا وبلاد النوبة طوال العصور الوسطى.
هندسة معمارية استثنائية تتجاوز مقاييس عصرها
أظهرت أعمال التنقيب والهندسة الأثرية الأخيرة أبعاداً معمارية مذهلة للصرح؛ إذ يُقدر طول المبنى بحوالي (57) متراً وعرضه بنحو (47) متراً، بينما يصل ارتفاعه المفترض إلى زهاء (21) متراً، مسجلاً مساحة إجمالية تتجاوز مساحة مبانٍ عالمية بارزة كالبيت الأبيض.
وكشفت الحفريات الحديثة عن درج معماري ضخم يؤدي إلى المدخل الرئيسي، إلى جانب دعامات جدارية عملاقة دُعّم بها المحراب (Apse). ولأول مرة، نجح الفريق في الوصول إلى مستوى الأرضية الأصلية للمبنى، حيث تحتفظ بعض الجدران المحيطة بالمدرج بارتفاعات تصل إلى (11) متراً، محققة حالة حفظ استثنائية ونادرة في المواقع الأثرية الإفريقية.
وأوضح مدير البعثة، عالم النوبيات البولندي البروفيسور أرتور أوبووسكي، أن المبنى كان يمثل مركزاً رئيسياً للإشعاع المعماري والتصميمي في المنطقة، على غرار كنيسة «آيا صوفيا» في القسطنطينية، وهو ما يفرض إعادة تقييم شاملة للوظيفة التخطيطية للمباني الأثرية الأخرى الواقعة خارج أسوار المدينة.
كنيسة الطابق العلوي وترانيم يونانية نادرة
ولم تقتصر الاكتشافات على الهيكل الرئيسي للكاتدرائية؛ فقد رصد الأثريون بقايا كنيسة أخرى أُقيمت في الطابق العلوي لمبنى ملحق بالجانب الشرقي للكنيسة الكبرى.
ورغم التعرض الجزئي للجدران، استخرجت البعثة مئات القطع الجصية الملونة الحاملة لجداريات متعددة الألوان.
وعلى الصعيد اللغوي والنقشي، أشارت خبيرة النقوش بالبعثة د. أجاتا ديبتولا إلى أن الرديم احتوى على كسر جصية تضم نصوصاً دينية باللغة اليونانية خطت بدقة متناهية (Book hand)،.
من بينها ترانيم وأناشيد كتابية (Odes) تتضمن أجزاءً من «صلاة حنا» أم النبي صموئيل الواردة في العهد القديم، وهو نمط نادر جداً مقارنة بنصوص سفر المزامير الأكثر شيوعاً في آثار دنقلا.
تكامل أثري مع التنمية المجتمعية.
تزامنت أعمال التوثيق والحفر مع تدابير عاجلة لحماية الموقع من أضرار السيول التي ضربت المنطقة في خريف 2024.
وضمن مسؤوليتها المجتمعية، أشرفت البعثة بالتنسيق مع الهيئة القومية للآثار والمتاحف (NCAM) ودعم من برنامج المساعدات البولندية (Polish Aid) على تشغيل محطة طاقة شمسية كهرومائية.
وتعمل هذه المنظومة على تشغيل مضخات سحب المياه من النيل لتلبية احتياجات أكثر من 10,000 نسمة من السكان المحليين، وتغذية ثماني محطات لتقوية ضغط المياه للمنازل المرتفعة، مما يربط العمل الأثري ميدانياً باحتياجات التنمية المجتمعية.
تأتي هذه الاكتشافات ضمن مشروع “Afropolis Tungul” التابع لمجلس البحث الأوروبي ومشروع “Kyriakós oíkos” الممول من مركز العلوم الوطني البولندي، بهدف إعادة إعمار التاريخ الحضري والاجتماعي لعاصمة المقرة بين القرنين الرابع والخامس عشر الميلاديين.