عاجل نيوز
تابعتُ، كما تابع كثيرون، البيان الصادر عن حزب الأمة القومي قبل أيام حول أحداث مدينة الحمادي، فلم أقرأ فيه إلا نواحًا هستيريًا، لا يشبه لغة السياسة ولا بيان العقلاء، بل هو أقرب إلى مرثية كاذبة كتبها فاقدو الصدق والانتماء. بيانٌ يعكس ضياع البوصلة، وافتقاد القيادة، وغياب الحس الوطني، بل ويعري تمامًا التموقع المخزي للحزب في خارطة الأزمة السودانية الراهنة.
أن يصدر هذا البيان من حزب يجثم على صدره اللواء (م) فضل الله برمة ناصر، فذلك ما يستدعي الإشفاق لا الاحترام. برمة، الذي كان بالأمس ضابطا في القوات المسلحة، اختار اليوم أن يرتدي عباءة المرتزقة السياسيين، ويسلم عقله وضميره لميليشيا، كانت ولا تزال أداة لتدمير الوطن، ومحرقة لأهله.
لقد غلّف الانتماء الجهوي العنصري عقل برمة، حتى أمسك بتلابيبه، فصار لا يرى إلا من ذلك الثقب الضيق الحرج، ولا ينطق إلا بما يُملى عليه من مراكز النفوذ الظلامية التي ترتزق من دماء الأبرياء. فمن ذا الذي يصدّق أن ضابطًا خدم تحت راية القوات المسلحة، يمكن أن ينقلب عليها بهذا القدر من الحقد والنكران؟
إن برمة، الذي قضى عمره في ظلال المؤسسة العسكرية، خلع عنه قيمها يوم خلع بزته. لم يبقَ فيه من “اللواء” إلا الاسم، أما الانضباط والولاء والشرف، فقد أودعها في خزائن النسيان، وراح يمارس دور المُعلِّق السياسي على قناة ميليشيوية، يُسَوِّق الأكاذيب، ويُبرر الجرائم، ويرقص على جراح وطنٍ تتآكله النيران من كل صوب.
فمن يُلقي على القوات المسلحة تهم “جرائم الحرب”، عليه أولًا أن يغسل يديه من دماء ميليشيا الدعم السريع، التي زرعت الخراب في كل شبر من هذا الوطن، قتلت وحرّقت واغتصبت، وداست على كرامة الإنسان السوداني في القرى والمدن. لكنه صمت… صمت لأن القاتل سقاه من خمر الخيانة، ولأن الضحية – ببساطة – ليس من معسكره السياسي أو الجهوي.
نعم، نحمّل المسؤولية. لكن لا للقوات التي تقاتل لتبقى الدولة، بل لأولئك الذين حوّلوا الخرطوم إلى بركانٍ من اللهب، واستعملوا الطائرات المسيّرة لإبادة المدنيين، وقتلوا الأطفال في كجبار، والنساء في نيالا، والشيوخ في أم درمان. أولئك الذين باعوا الوطن في سوق النخاسة، بثمنٍ بخس من دولارات الخارج، ومراكز النفوذ الإقليمي.
أما أن يستجدي برمة ومَنْ على شاكلته “تدخلًا دوليًا”، فذلك خزي فوق خزي. لأن من يستدعي الغريب إلى حمى الوطن، ليس إلا خائنًا ناعمًا، يتلفّع بعباءة “الحقوق” ليُخفي خنجره في خاصرة السودان.
طالبوا بالدعم الإنساني لمن تبقّى من أهل الجنينة، الذين هجّرتهم ميليشياكم، وحوّلت بيوتهم إلى رماد. طالبوا به لمن أحرقت الميليشيا منازلهم، ومن اعتُدي على أعراضهم، لا لمجرد أنهم لا ينتمون لمشروعكم العرقي السقيم.
ورغم كل ما يُكال له من تشويه وحصار، تظل القوات المسلحة السودانية هي آخر قلاع الوطن. مهنياً، منضبطاً، يقاتل لا ليحكم، بل ليبقى السودان. يواجه مؤامرة إقليمية ودولية تتكالب على جسد الوطن كوحوش الليل، وأنتم، ويا للمفارقة، تمهدون لها الطريق، وترشّون الورود تحت أقدام الغزاة.
.. ولأنّ الرجاء لا ينقطع من القلوب الحيّة، فإنني أتوجه بنداء خالص، صادق، إلى الفريق عبد الرحمن الصادق المهدي، وإلى كل الغيورين على إرث الإمام المهدي وراية حزب الأمة التاريخية: أنقذوا هذا الحزب من هاوية برمة، وانتشلوا اسمه من مستنقع التبعية لميليشيا احترفت الإجرام والتنكيل. أعيدوا إليه نبضه الوطني، وصوته العقلاني، ومكانته في ضمير الشعب، لا أن يُترك ليكون بوقًا مشروخًا يصرخ بما يُلقّن له، ويجترّ بيانات الحقد والافتراء.
حزب الأمة يمكن أن يكون ضميرا لهذا الشعب، لا صدىً لآلة حرب دمّرت الحاضر وكادت أن تفتك بالمستقبل. لعلّ ما بقي من الوقت يكفي، إن توفرت النية وصدق الانتماء، لعودته إلى الصف الوطني، مستشعرًا آلام السودانيين، لا متغنيًا بأوجاعهم في خدمة من فجعهم.
وأخيرا وليس آخرا..
إلى برمة ناصر ومن خلفه من خفافيش العمل السياسي: كفّوا عن المتاجرة بالدم، فدم الأبرياء ليس سوقًا، ولا صفقة.
كفّوا عن التنكر لتاريخٍ لم تكونوا يومًا أهله، ولا بلغتم شرفه.
الجيش باقٍ، لأنه الوطن، أما أنتم فزَبَدٌ سيذهب جُفاء.