بروفيسور عثمان كرسني يكشف تفاصيل “المخطط الأنجلوساكسوني”: من صحراء الإمارات إلى صناعة دويلة وظيفية في خاصرة السودان والبحر الأحمر
مقال البروفيسور عثمان كرسني عن المخطط الأنجلوساكسوني
استعراض تاريخي واستراتيجي يفكك أدوار الموانئ، والمال، وشبكات الهيمنة الصهيونية في تفتيت وادي النيل والسيطرة على البحر الأحمر
متابعات – عاجل نيوز
ميتا ديسكربشن: قراءة في رؤية البروف عثمان كرسني بشأن صعود النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وعلاقته بالموانئ والاستثمارات والصراع في السودان وإثيوبيا، مع استعراض ما تؤكده المصادر وما يبقى في إطار التحليل.
كلمة مفتاحية: النفوذ الإماراتي في السودان والبحر الأحمر
في قراءة سياسية واسعة، يطرح البروف عثمان كرسني تصورًا يعتبر أن التحولات التي شهدتها منطقة الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي خلال العقود الماضية لا يمكن فصلها عن صراع أوسع على الموانئ والتجارة والثروات والممرات البحرية.
ويربط كرسني بين صعود دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب اقتصادي وأمني مؤثر وبين ما يصفه بمخطط دولي طويل المدى يستهدف إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، وصولًا إلى السودان وإثيوبيا ومنطقة الفشقة.
غير أن هذه الرؤية، بما تتضمنه من حديث عن «مخطط أنجلوساكسوني صهيوني» لإعادة رسم خريطة المنطقة، تبقى تفسيرًا سياسيًا يقدمه صاحبها، ولا تعني أن جميع عناصره مثبتة بوثائق مستقلة.
والثابت تاريخيًا أن قيام دولة الإمارات ارتبط فعلًا بمرحلة استعمارية بريطانية سابقة في الخليج. فالمشيخات المعروفة باسم الإمارات المتصالحة دخلت في اتفاقيات حصرية مع بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، قبل أن تعلن بريطانيا نيتها الانسحاب من الخليج في نهاية عام 1971.
وبحسب السجل الرسمي الإماراتي، اجتمع حكام الإمارات المتصالحة في فبراير 1968 لبحث مشروع الاتحاد، وفي يوليو 1971 قرر حكام ست إمارات تأسيس الدولة، ثم أُعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة رسميًا في الثاني من ديسمبر من العام نفسه، وانضمت رأس الخيمة إلى الاتحاد في فبراير 1972.
هذه الوقائع التاريخية تؤكد وجود مرحلة حماية ونفوذ بريطاني قبل قيام الاتحاد، لكنها لا تثبت وحدها الرواية القائلة إن بريطانيا أنشأت الاتحاد بهدف تحويله مستقبلًا إلى «خزنة مالية» أو قاعدة لتنفيذ مشروع إقليمي محدد.
وخلال العقود التالية، تحولت الإمارات بالفعل إلى مركز تجاري ولوجستي ومالي ذي حضور عالمي، فيما توسعت شركات إماراتية كبرى في قطاعات الموانئ والنقل والزراعة والطاقة والتعدين داخل أفريقيا.
وتبرز شركة موانئ دبي العالمية، على سبيل المثال، من خلال إدارتها وتشغيلها لميناء بربرة في أرض الصومال، الذي تصفه الشركة بأنه بوابة استراتيجية إلى شرق أفريقيا. كما تربط خطوط الشحن بين بربرة وجبل علي وموانئ أخرى في المنطقة، بما يعكس اتساع شبكة التجارة واللوجستيات الإماراتية في القرن الأفريقي.
وهنا تكتسب مسألة البحر الأحمر أهمية خاصة.
فالمنافسة على الموانئ لم تعد مجرد ملف تجاري، إذ تتقاطع في المنطقة مصالح اقتصادية وأمنية وجيوسياسية متعددة، خصوصًا مع موقع باب المندب وقربه من قناة السويس والخليج العربي والقرن الأفريقي.
كما أن العلاقات الأمنية بين الإمارات والولايات المتحدة شهدت تطورًا كبيرًا. ووفق وزارة الخارجية الأمريكية، شملت الشراكة بين البلدين مجالات الأمن البحري وحماية الحدود والاستعداد العسكري والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب، وربطت واشنطن في 2020 تعميق الشراكة الأمنية باتفاقات أبراهام وبأمن الخليج والتوازن الإقليمي.
ومن هذه النقطة ينطلق كرسني في قراءته ليطرح سؤالًا أكبر: هل تحول النفوذ الاقتصادي الإماراتي في الموانئ والاستثمارات إلى أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة في البحر الأحمر؟
المعطيات المتاحة تؤكد توسعًا إماراتيًا واسعًا في القارة الأفريقية. وتناولت تقارير اقتصادية دولية استثمارات إماراتية في قطاعات الموانئ والزراعة والتعدين والطاقة، كما أشارت إلى أن الإمارات أصبحت لاعبًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا بارزًا في القارة.
وفي السودان تحديدًا، ارتبط اسم شركات ومستثمرين إماراتيين بمشروعات زراعية ومينائية كبيرة خلال السنوات الماضية.
ومن أبرز الأمثلة مشروع زراعي في أبو حمد شمال السودان، حيث أشارت تقارير إلى استثمار إماراتي بقيمة 225 مليون دولار ضمن مشروع كان يستهدف زراعة مساحات واسعة، كما ارتبطت به خطط لوجستية ومينائية على ساحل البحر الأحمر. كذلك أُعلن في 2022 عن مشروع استثماري كبير لتطوير ميناء أبو عمامة وربطه بشبكة نقل داخل السودان.
لكن الحرب السودانية غيّرت مسار هذه المشروعات، بعدما تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات.
وفي المقابل، نشرت رويترز تحقيقًا في فبراير 2026 حول معسكر في إقليم بني شنقول قمز الإثيوبي قرب الحدود السودانية، .
قالت فيه إن مصادر إثيوبية ودبلوماسية ربطت تمويل المعسكر وتوفير مدربين وإمدادات عسكرية بالإمارات، مع تأكيد رويترز أنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من الدور الإماراتي في المشروع، بينما نفت أبوظبي أي مشاركة في الحرب السودانية.
وتزداد حساسية هذه التطورات بسبب موقع بني شنقول قمز نفسه، إذ يقع الإقليم قرب الحدود السودانية وبالقرب من منطقة سد النهضة، ما يجعل أي نشاط عسكري أو لوجستي فيه ذا أبعاد إقليمية تتجاوز حدود إثيوبيا.
وفي الوقت نفسه، تشهد إثيوبيا نفسها توترات متصاعدة. فقد اندلع مجددًا القتال في إقليم تيغراي، فيما تتداخل الأزمة مع خلافات أوسع حول الوصول إلى البحر الأحمر والعلاقة مع إريتريا والسودان ومصر.
وتشير رويترز إلى أن قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر، خصوصًا عبر ميناء عصب الإريتري، أصبحت واحدة من الملفات الاستراتيجية الحساسة في المنطقة.
أما الفشقة، التي يضعها كرسني في قلب قراءته، فهي بالفعل منطقة نزاع تاريخي بين السودان وإثيوبيا، لكنها ليست منطقة يمكن وصفها ببساطة بأنها مشروع قائم لتأسيس «دويلة جديدة».
فالمعلومات المتاحة تؤكد أن الفشقة تقع داخل الحدود التي يعترف بها السودان، بينما ظل وجود مزارعين إثيوبيين فيها لعقود سببًا رئيسيًا للتوتر بين البلدين. وفي 2020 تصاعدت المواجهات العسكرية على خلفية النزاع على الأراضي الزراعية، مع تبادل الخرطوم وأديس أبابا الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد.
وتكشف هذه الخلفية أن المنطقة تمثل بالفعل نقطة شديدة الحساسية في الأمن السوداني والإثيوبي، خصوصًا مع ارتباطها بالزراعة والحدود والأمن المائي والتوازنات العسكرية.
لكن الانتقال من هذه الحقائق إلى القول بوجود مشروع مكتمل لصناعة «دويلة وظيفية» في الفشقة يحتاج إلى أدلة إضافية ووثائق مباشرة تثبت وجود هذا المشروع وأطرافه وحدوده وآليات تنفيذه.
ويذهب كرسني أبعد من ذلك حين يربط بين الحرب السودانية والصراع الإثيوبي والتحولات في البحر الأحمر، معتبرًا أنها حلقات مترابطة في مشروع واحد لإضعاف الدول الكبيرة وتحويل المنطقة إلى كيانات أصغر تعتمد على القوى الخارجية.
هذه الفكرة تستند إلى تفسير جيوسياسي واسع، لكنها تصطدم بتعدد العوامل المحلية والإقليمية التي تقف خلف أزمات السودان وإثيوبيا. فالحرب السودانية نفسها نشأت من صراع داخلي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى حرب ذات أبعاد إقليمية ودولية.
ومع ذلك، فإن التدخلات الخارجية أصبحت جزءًا واضحًا من المشهد.
فالأمم المتحدة تحدثت عن شبكات عابرة للحدود أسهمت في توفير أسلحة ومعدات عسكرية وإمدادات لقوات الدعم السريع، وربطت تلك الشبكات بأطراف ومواقع في الإمارات وتشاد وليبيا وبونتلاند، فيما تواصل الإمارات رفض الاتهامات الموجهة إليها.
وهنا تبدو القضية الأكثر واقعية التي تفرض نفسها على السودان ليست فقط سؤال «من وضع المخطط؟»، وإنما سؤال: كيف تحولت الموارد والموانئ والزراعة والذهب والممرات البحرية إلى أدوات نفوذ تتنافس عليها دول وشركات وقوى إقليمية؟
فالسودان يمتلك ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، وأراضي زراعية واسعة، وثروات معدنية، وموقعًا يربط شمال أفريقيا بالقرن الأفريقي وشرق القارة. وهذه العناصر تجعل البلاد بطبيعتها جزءًا من حسابات القوى الإقليمية والدولية.
كما أن موقع السودان بين مصر وإثيوبيا والبحر الأحمر ودول الساحل يجعله نقطة التقاء بين ملفات الأمن المائي والتجارة والموانئ والطاقة والهجرة والأمن الغذائي.
ومن هذه الزاوية، فإن قراءة النفوذ الإماراتي في السودان والبحر الأحمر تستحق نقاشًا جادًا، لكن الفصل بين «الوقائع» و«التفسيرات» يصبح ضروريًا.
فوجود استثمارات إماراتية في السودان وأفريقيا حقيقة، وتوسع الشركات الإماراتية في الموانئ حقيقة، والتعاون الأمني الإماراتي مع الولايات المتحدة حقيقة، ووجود اتهامات دولية وإقليمية بدور إماراتي في الحرب السودانية حقيقة موثقة في تقارير متعددة، مع استمرار النفي الإماراتي.
أما القول إن كل هذه التطورات جزء من خطة واحدة عمرها أكثر من قرن لصناعة دويلة جديدة في الفشقة، فهو استنتاج سياسي يحتاج إلى وثائق مستقلة حتى ينتقل من مستوى القراءة والتحليل إلى مستوى الحقيقة المثبتة.
ويبقى السؤال الأهم بالنسبة للسودان: كيف يمكن حماية السيادة على الأرض والموارد والموانئ، ومنع تحول الاستثمارات الخارجية أو العلاقات الإقليمية إلى أدوات ضغط سياسي وأمني؟
فالمعركة الحقيقية على المدى الطويل قد لا تكون فقط على الأرض التي تحمل السلاح، وإنما على الموانئ التي تتحكم في التجارة، والمزارع التي تنتج الغذاء، والمناجم التي تنتج الذهب، والممرات التي تعبرها البضائع، والمعلومات التي تحدد من يملك القرار.
وهذه الملفات هي التي ستحدد شكل السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر في السنوات المقبلة، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من موازين المصالح والنفوذ والقدرة على حماية القرار الوطني.