تماسيح الوقود في ورطة.. الدولار اختفى والذهب يدخل على خط أزمة الاستيراد
أزمة الوقود في السودان.. الدولار والذهب يضعان شركات الاستيراد أمام اختبار صعب
شركات محدودة تواجه معضلة توفير الوقود والدولار.. و40 كيلوغراماً من الذهب شرطاً لدخول سوق غاز الطبخ
متابعات – عاجل نيوز
تدخل أزمة الوقود في السودان مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما لم تعد المشكلة، بحسب قراءة الصحفية رشان أوشي، مرتبطة فقط بقدرة الشركات على استيراد البنزين والجازولين، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بالسؤال الأصعب: من أين يأتي الدولار اللازم لتمويل هذه العمليات؟
وفي الجزء الثاني من سلسلة «من يدفع الفاتورة؟»، تواصل أوشي تفكيك ما تعتبره آثاراً لسياسات استيراد الوقود، وتطرح تساؤلات حول الشركات التي أصبحت تملك النصيب الأكبر من السوق، وقدرتها على الاستمرار في توفير الإمدادات في ظل شح النقد الأجنبي.
وترى الكاتبة أن الشركات التي انحصر فيها استيراد الوقود لم تعد تملك مساحة كبيرة للتراجع، لأنها مطالبة في الوقت نفسه بتوفير السلعة للسوق والبحث عن العملات الأجنبية اللازمة لتمويل عمليات الاستيراد.
وتقول أوشي إن الأزمة تجاوزت البنزين والجازولين لتصل إلى غاز الطبخ، مشيرة إلى أن وزارة الطاقة اشترطت على موردي الغاز إيداع 40 كيلوغراماً من الذهب كضمان، وهو شرط ترى أنه يمكن أن يؤدي عملياً إلى تضييق دائرة المنافسة وحصر النشاط في عدد محدود من الشركات القادرة على توفير هذا النوع من الضمانات.
وهنا تنتقل القضية من مجرد أزمة سلعة إلى سؤال اقتصادي أوسع: من يستطيع الدخول إلى سوق يتطلب ضمانات ضخمة بالذهب؟ ومن يمتلك القدرة المالية على توفيرها في اقتصاد يواجه أزمة سيولة ونقصاً حاداً في العملات الأجنبية؟
وتطرح أوشي مجموعة من الأسئلة حول المستفيدين الفعليين من هذه المنظومة، خصوصاً مع وجود رجال أعمال وشركات تنشط، بحسب طرحها، في أكثر من قطاع يرتبط بالذهب والوقود.
وتشير الكاتبة إلى أن بعض العاملين في استيراد الوقود لهم نشاط أيضاً في تجارة الذهب، معتبرة أن الجمع بين القطاعين يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بتداخل تجارة الذهب مع تمويل استيراد السلع الاستراتيجية.
وتتوقف أوشي بصورة خاصة عند دور بنك السودان المركزي، متسائلة عن سياساته في شراء الذهب عبر وكلاء، وما إذا كان ذلك قد انعكس على سوق النقد الأجنبي وسعر العملة المحلية.
وهذه النقطة تحديداً تحتاج، وفق طرح الكاتبة، إلى توضيحات رسمية وشفافة من بنك السودان المركزي، لأن العلاقة بين شراء الذهب وتدفقات النقد الأجنبي وسوق الصرف من الملفات التي تتطلب بيانات وأرقاماً واضحة حتى يمكن تقييم آثارها الاقتصادية بعيداً عن التقديرات والانطباعات.
وتعود أزمة الوقود هنا إلى أصل المشكلة: عندما تضيق دائرة الشركات المستوردة، يصبح أي تعثر في التمويل أو توفير الدولار قابلاً للانعكاس سريعاً على السوق، لأن البدائل تصبح أقل، وقدرة السوق على تعويض النقص تتراجع.
وكانت رشان أوشي قد ذكرت في الجزء الأول من السلسلة أن وزارة الطاقة فرضت، مع بداية عام 2026، شروطاً جديدة على موردي الوقود، من بينها إنشاء مستودعات تخزين بتكلفة قالت إنها تتراوح بين 8 و12 مليون دولار،.
إلى جانب ضمان عيني قدره 200 كيلوغرام من الذهب. ووفق روايتها، أدى ذلك إلى انحصار الاستيراد في ست شركات، ثلاث منها حكومية وثلاث تؤول ملكيتها إلى رجال أعمال.
وبحسب القراءة التي قدمتها الكاتبة، فإن هذه الشروط جعلت المنافسة أكثر صعوبة أمام الشركات الصغيرة أو المتوسطة، ورفعت الحواجز أمام دخول موردين جدد إلى السوق.
لكن المشكلة لا تتعلق بالمنافسة التجارية وحدها، فالوقود في السودان مرتبط بصورة مباشرة بالنقل والزراعة والمياه والكهرباء والمستشفيات والخدمات الأساسية. وأي اضطراب في إمداده ينعكس على قطاعات أخرى، ثم يصل أثره في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفع المواطن تكلفتها.
وتزداد حساسية الملف مع استمرار شكاوى نقص الوقود في عدد من المناطق السودانية، وهو ما يجعل البحث عن أسباب الاختناقات في الاستيراد والتمويل والتوزيع مسألة تتجاوز الخلافات بين الشركات والجهات الحكومية.
وفي هذا السياق، تطرح أوشي سؤالاً مركزياً حول ما إذا كان تغيير المسؤولين والطاقم الحكومي كافياً لمعالجة الأزمة، أم أن المطلوب مراجعة السياسات نفسها التي تحكم سوق الوقود والاستيراد.
فالسياسة الاقتصادية، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بأسماء المسؤولين الذين يتولون تنفيذها، وإنما بنتائجها على السوق والمستهلك والمنافسة. وإذا كانت القواعد المفروضة تؤدي إلى تقليص عدد الموردين، فإن السؤال يصبح متعلقاً بتأثير ذلك على الأسعار والإمدادات وقدرة الدولة على ضمان توفر السلع الأساسية.
وتدفع هذه المعطيات أيضاً إلى ضرورة الفصل بين ما هو ثابت بالوثائق والقرارات الرسمية، وما يمثل قراءة أو استنتاجاً من جانب الكاتبة. فالاتهام بوجود احتكار أو استفادة غير مشروعة يحتاج إلى أدلة مستقلة وبيانات مالية وتجارية يمكن التحقق منها، بينما تظل الأسئلة التي تطرحها أوشي مفتوحة أمام الجهات الحكومية المعنية للرد والتوضيح.
وفي ملف الذهب تحديداً، تبرز الحاجة إلى معلومات أكثر تفصيلاً حول الجهات التي تحصل على تراخيص أو وكالات شراء الذهب، والكميات التي يتم شراؤها، وآلية تسوية قيمتها، وتأثير هذه العمليات على سوق النقد الأجنبي.
كما أن شروط ضمان استيراد غاز الطبخ تستحق بدورها توضيحاً رسمياً، خصوصاً بشأن الأساس القانوني والاقتصادي لتحديد الضمان بالذهب، وكيفية تقدير قيمته، وما إذا كانت هناك بدائل مالية متاحة أمام الشركات الراغبة في دخول السوق.
وبين الوقود والذهب والدولار، تتشكل أزمة اقتصادية متشابكة، لا يمكن اختزالها في ارتفاع سعر سلعة أو نقص شحنة في السوق. فكل حلقة في هذه المنظومة تؤثر على الحلقة الأخرى، من التمويل إلى الاستيراد، ومن التخزين إلى التوزيع، وصولاً إلى المستهلك النهائي.
وتخلص رشان أوشي في طرحها إلى أن معالجة أزمة الوقود لا ينبغي أن تقتصر على تغيير الأشخاص، وإنما تتطلب مراجعة السياسات التي تحكم السوق، وضمان وجود منافسة حقيقية، وتوفير آليات شفافة لتمويل الاستيراد، مع كشف الجهات المستفيدة من منظومة الضمانات والتمويل والتوزيع.
وفي بلد أنهكته الحرب، تظل أزمة الوقود أكبر من كونها أزمة تجارية؛ فهي تمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين السودانيين. ولذلك فإن السؤال الذي تتركه الحلقة الثانية من السلسلة مفتوحاً هو: من يدفع فاتورة هذه السياسات في النهاية، الشركات أم الدولة أم المواطن؟