عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
«تأسيس» تتحدث عن إثيوبيا.. فهل تغيّرت قواعد التمرد والتدخل والسيادة عند عبور الحدود؟ عزمي عبد الرازق... ماذا لو زار الفريق البرهان المشير البشير في مستشفى علياء؟ بيان عاجل للجيش السوداني تحرك عاجل لإنقاذ الضحايا.. ترتيبات مكثفة لإطلاق سراح (20) ألف معتقل من سجون الدعم السريع تفاصيل مثيرة ... كيف جاءت براءة عبد الله بنده من الجنائية الدولية وعودته لمعركة الكرامة «تأمين عصب الدولة».. اجتماع طارئ وحاسم لوزيري الطاقة والمالية ومحافظ المركزي لاحتواء أزمة الوقود وحم... غنائم معركة الكرامة تفضح تورط أبوظبي.. الجيش يستولي على شاحنة مدرعة إماراتية مخصصة لنقل أجهزة التشوي... أول سفارة تعود ... ختم عودة الدبلوماسية إلى قلب العاصمة.. سفارة قطر تعلن رسمياً الانتقال من بورتسودا... رسائل حاسمة من قلب معركة الكرامة.. المصباح أبو زيد: تربينا على عدم مجارات أشباه النساء، وصرح "البراء... صرخة من قلب المعاناة.. حاج ماجد سوار يطلق "نداء كردفان" ويكشف فظائع مليشيا أبوظبي الإرهـ ابية والجرا...

«تأسيس» تتحدث عن إثيوبيا.. فهل تغيّرت قواعد التمرد والتدخل والسيادة عند عبور الحدود؟

بيان تأسيس عن إثيوبيا يثير تساؤلات حول مواقف التحالف في السودان

 

 

خطاب التحالف بشأن الصراع الإثيوبي يضع مواقفه المعلنة في السودان أمام اختبار التناسق السياسي

 

متابعات – عاجل نيوز

أيمن شرارة 

لم يكن بيان «تأسيس» بشأن التطورات في إثيوبيا مجرد موقف عابر من أزمة تجري خارج الحدود السودانية، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً سياسياً أكبر يتعلق بمدى اتساق الخطاب الذي تتبناه القوى السياسية والعسكرية عندما تنتقل من ساحة إلى أخرى.

فالبيان، بحسب ما تم تداوله، جاء في سياق التصعيد الذي تشهده إثيوبيا بعد ظهور تحالف مسلح جديد يضم سبع جماعات معارضة للحكومة الفدرالية، ويعلن هدفاً يتمثل في إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد والعمل نحو تشكيل إدارة انتقالية.

وقد وثقت وكالات دولية إعلان هذا التحالف وتطورات القتال في تيغراي والمناطق المجاورة.

وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق التوقف عندها.

إذا كان المبدأ الذي ينطلق منه بيان «تأسيس» في قراءته للمشهد الإثيوبي هو رفض إسقاط الحكومات بالقوة، أو التحذير من التدخل الخارجي، .

أو التشديد على وحدة الدولة وسيادتها، فإن السؤال المنطقي يصبح: كيف تنسجم هذه المبادئ مع الخطاب الذي تتبناه القوى المكوِّنة للتحالف بشأن الحرب السودانية؟

هذه ليست مسألة تتعلق بإثيوبيا وحدها، وإنما باختبار المبدأ نفسه.

ففي السودان، لا يقدم «تأسيس» نفسه باعتباره طرفاً مدنياً محايداً في الصراع. وتشير بياناته المنشورة إلى وجود جناح عسكري للتحالف، كما أعلنت قيادته في يوليو الماضي أن قواته تحتفظ بحق استئناف الأعمال العدائية وتنفيذ عمليات عسكرية ضد مواقع الجيش، في أعقاب التطورات الميدانية آنذاك.

وفي بيان آخر، أكد التحالف أنه يريد إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، ورفض ما وصفه بإعادة إنتاج الدولة القديمة، بينما واصل العمل السياسي بالتوازي مع وجود القوى المسلحة المنضوية تحت مظلته.

كما وصفت مصادر صحفية «تأسيس» بأنه التحالف السياسي المرتبط بقوات الدعم السريع، في وقت كان التحالف نفسه يعقد اجتماعات سياسية في أديس أبابا ويتفاوض مع الآلية الخماسية حول مستقبل العملية السياسية في السودان.

وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة: هل تختلف قاعدة التعامل مع التمرد عندما يكون على الضفة الأخرى من الحدود؟

في إثيوبيا، تشهد البلاد بالفعل مواجهة معقدة بين الحكومة الفدرالية ومجموعات مسلحة، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو، إضافة إلى جماعات أخرى دخلت في تحالف معلن ضد حكومة آبي أحمد.

وتشير التغطيات الدولية إلى أن التحالف الجديد أعلن هدفه إسقاط الحكومة وتشكيل إدارة انتقالية، بينما لا تزال قدرته على العمل العسكري الموحد موضع نقاش بسبب الخلافات القديمة بين مكوناته.

لكن المشكلة لا تكمن في أن «تأسيس» أبدى رأياً في الأزمة الإثيوبية؛ فهذا حق سياسي طبيعي لأي طرف. المشكلة تبدأ عندما يتحول المبدأ إلى موقف قابل للتبديل بحسب الجغرافيا.

إذا كانت وحدة الدولة مبدأً، فهي مبدأ في السودان وإثيوبيا معاً.

وإذا كان تغيير الحكومات بالقوة مرفوضاً، فإن رفضه يفترض أن يكون قاعدة عامة لا موقفاً مؤقتاً.

وإذا كان التدخل الخارجي في شؤون الدول مرفوضاً، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما يتعلق الأمر بالحرب السودانية التي شهدت، على مدى سنواتها، اتهامات متبادلة بشأن الدعم الخارجي والتدخلات الإقليمية.

وهنا تحديداً تصبح بيانات «تأسيس» السابقة مادة مهمة للمقارنة.

فالتحالف أعلن في يوليو أن التطورات العسكرية التي شهدها السودان تمثل، من وجهة نظره، مبرراً لاستئناف الأعمال العدائية، ومنح قواته ما سماه الحق في تنفيذ أعمال عسكرية ضد مواقع الجيش.

وفي يونيو، نفى «تأسيس» التواصل مع الجيش السوداني، بينما كان وفد منه موجوداً في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا للمشاركة في مشاورات سياسية حول الأزمة السودانية.

وفي أغسطس، أعلن التحالف استعداده للقاء الآلية الخماسية، مؤكداً أن أي عملية سياسية جادة يجب أن توقف الحرب وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية، مع تمسكه بمشاركته في العملية السياسية.

وبذلك، فإن المشهد لا يحتاج إلى كثير من التعليق حتى تظهر المفارقة: «تأسيس» يريد أن يكون طرفاً سياسياً في صياغة مستقبل السودان، وفي الوقت نفسه يضم قوى مسلحة تشارك في الحرب، بينما يدور خطابه الخارجي حول الدولة والسياسة والسيادة والاستقرار.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه به أي بيان سياسي صادر عن التحالف: هل المبادئ التي يعلنها تصلح للسودان كما تصلح لإثيوبيا؟

فالسياسة الخارجية لا يمكن أن تكون قائمة من المبادئ تُستخدم عند الحاجة، ثم تتغير عندما تتبدل مصلحة صاحبها أو موقعه من الصراع.

ولا يمكن لطرف أن يعتبر حمل السلاح لتغيير السلطة في دولة أخرى خطراً على الاستقرار، ثم يقدم حمل السلاح داخل بلده بوصفه جزءاً من عملية تأسيس سياسي.

ولا يمكن أن تصبح السيادة الوطنية عنواناً رئيسياً عندما يتعلق الأمر بإثيوبيا، بينما يجري تقديم الصراع داخل السودان باعتباره معركة لإعادة تشكيل الدولة من جذورها.

وبالطبع، فإن المقارنة لا تعني أن الواقع الإثيوبي والسوداني متطابقان؛ فلكل بلد تاريخه وبنيته السياسية وأطرافه المسلحة وموازين القوى الخاصة به. كما أن وصف أي موقف بأنه متناقض يحتاج إلى وضع النصوص الأصلية جنباً إلى جنب، لا الاكتفاء بالتعليقات السياسية.

لكن المشكلة أن بعض الخطابات السياسية تسقط أحياناً في اختبار بسيط: هل المبدأ الذي ندافع عنه عندما يكون في مصلحتنا يظل هو نفسه عندما يصبح ضد مصلحتنا؟

وهنا تكمن قيمة بيان «تأسيس» عن إثيوبيا، ليس فقط في مضمون ما قاله، وإنما في الأسئلة التي يفتحها بشأن الخطاب السياسي للتحالف نفسه.

فكل حديث عن رفض التمرد يمكن أن يُقابله سؤال عن الحرب السودانية.

وكل حديث عن السيادة يمكن أن يُقابله سؤال عن مستقبل الدولة السودانية.

وكل حديث عن التدخل الخارجي يمكن أن يُقابله سؤال عن موقف التحالف من الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة السودانية.

وكل حديث عن الاستقرار يمكن أن يُقابله سؤال عن معنى الاستقرار في دولة تخوض فيها قوى مسلحة حرباً منذ أبريل 2023.

وفي النهاية، لا تكمن قوة الموقف السياسي في قدرته على إدانة ما يفعله الخصم، وإنما في قدرته على تطبيق المبدأ نفسه عندما يتعلق الأمر بالنفس.

فإذا كان إسقاط الحكومة بالقوة خطراً في إثيوبيا، فلماذا يصبح قابلاً للتبرير في السودان؟

وإذا كانت سيادة الدولة ووحدتها خطوطاً حمراء هناك، فلماذا لا تكون كذلك هنا؟

وإذا كان التدخل الخارجي مرفوضاً في شؤون الدول، فأين يبدأ هذا المبدأ وأين ينتهي؟

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى بيانات مضادة بقدر ما تحتاج إلى إجابات واضحة.

فالسياسة التي تتغير مبادئها بتغير الحدود تظل أمام اختبار صعب: هل نحن أمام مبدأ سياسي ثابت، أم أمام مواقف تتشكل وفق موقع صاحبها من المعركة؟

وهنا تحديداً يصبح «بيان تأسيس عن إثيوبيا» أكثر من مجرد بيان بشأن دولة مجاورة؛ فهو، من حيث لا يريد أصحابه ربما، يفتح مرآة يمكن من خلالها قراءة الخطاب نفسه في السودان.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.