الطاهر ساتي : العلاج بالبندول ..!! «تخريب للاقتصاد وتخدير للأزمة».. إغلاق المعابر الحدودية .
الطاهر ساتي يكتب عن أزمة إغلاق المعابر والتجارة بين السودان ومصر
ساتي يشدد على حتمية سن قوانين رادعة تحمي المعابر والمنافذ السيادية مع مصر كالقصر الجمهوري.. ويحذر من خطورة التعاطي السلحفائي وتجاهل المركز للأزمات التجارية الاستراتيجية
متابعات – عاجل نيوز
بقلم: الطاهر ساتي
السوق السوداني اليوم، للأسف، ليس سوقاً منتجاً يعتمد على سواعد بنيه، بقدر ما هو سوق مستورد يعيش عالة على ما تجود به الدول، بما فيها الجارة مصر عبر شرياني أشكيت وأرقين.. ومن حبة الدواء إلى لبن الأطفال، كل تفاصيل حياتنا تأتي من هناك..!!
لذا، فإن إغلاق تلك المنافذ يعني الاختناق وقفزة في الأسعار، وهذه لا تحتاج إلى عبقرية محلل اقتصادي ليفسرها لعامة الناس.. وعندما يتوقف معبر أشكيت ليوم واحد فقط، تدفع مدننا الثمن بالتتابع، بحيث ترتفع الأسعار في وادي حلفا أولاً، ثم تنتقل العدوى إلى كل مدن السودان..!!
والتاجر في كل الأحوال لا يخسر، بل يجد في الأزمة مغنماً يضاعف به أرباحه.. فالمواطن هو من يدفع الثمن من جيبه المثقوب أساساً.. وللمفارقة، فالاحتجاج الذي بدأ للمطالبة بتخفيض الرسوم، انتهى بمضاعفة الأسعار على ذات المواطن الذي يطالب بالتخفيض..!!
فالاعتراض على قرارات الحكومة حق مشروع، وهذا لا يجادل فيه عاقل، ولكن الوسيلة المتبعة هنا خاطئة ومدمرة.. إغلاق المعبر لا يضغط على الحكومة القابعة في الخرطوم، بل يضغط على عنق المواطن المحاصر بالحرب والفقر والنزوح..!!
والحقيقة الغائبة عن الكثيرين في غمرة الفوضى، بل والتي يتعمد البعض القفز فوقها، هي أن قطاعاً عريضاً من السلع والبضائع التي تتدفق إلينا عبر المنافذ المصرية، هي في الأصل سلع “أمن غذائي” يحظر القانون المصري تصديرها إلى الخارج لحاجة سوقهم المحلي إليها..!!
ولكن تقديراً لظروفنا، تغض القاهرة الطرف عن عبور هذه السلع الاستراتيجية عبر حدودها، وهي لفتة تتجاوز منطق التجارة إلى رحاب الأخوة والواجب الإنساني.. ومن الغرائب، فبينما يفتح الأشقاء شرياناً لإنقاذ سوقنا من الجفاف، نتبرع نحن بإغلاق الشريان بمتاريس العبث والجهل..!!
إغلاق المعبر قد يمنح سلطات مصر مبرراً منطقياً لوقف الصادر، فيصاب سوقنا باليباب ويثقل كاهل المواطن بالمزيد من الأثقال.. باختصار، فالمحتج – القافل المعبر والشارع – يطلق النار على قدميه وهو يظن أنه يحسن صنعاً، ويخصي نفسه بمظان الانتقام من زوجته..!!
لقد بدأت الأزمة بإغلاق جزئي، وكان من الممكن احتواؤها بقرار حاسم في نفس اليوم، لكن الحكومة المركزية تعاملت مع الأمر بعادتها القديمة؛ الصمت المريب والتجاهل التام.. تركت الشاحنات تتكدس، والبضائع تتلف، والسوق يشتعل، ليحترق المواطن..!!
ثم تحركت الحكومة بسلحفائية بعد يومين بإرسال الوالي ليتفقد الأوضاع، وكأن التفقد وحده يملك عصا سحرية لفتح معبر مغلق أو إلغاء رسم جمركي مفروض بقرار مركزي.. مع كامل احترامنا لوالي الشمالية، إلا أن تجارة الحدود ليست قضية ولائية ليفصل فيها الوالي والوفد المرافق له..!!
إرسال الوالي لمعالجة أزمة مركزية هو مجرد عملية “تخدير”، وليس حلاً.. والمشكلة ليست في المعابر، بل في عقلية إدارة التجارة في المركز.. فالبلد بحاجة ماسة إلى سياسة تجارية واضحة ومعلنة، تعرف ماذا نستورد ولماذا وبكم، لا إلى جبايات عشوائية تفرض – بلا دراسة – كل شهر..!!
ثم لا يمكن لدولة محترمة أن تترك طرق ومعابر صادراتها ووارداتها رهينة لمزاج محتج غاضب أو تاجر ساخط.. تأمين الطرق والمعابر يجب أن يحظى بذات الأهمية الاستراتيجية والأمنية لتأمين القصر الجمهوري، وذلك عبر قانون رادع يمنع إغلاق هذه المنافذ القومية تحت أي لافتة مطلبية..!!
فالطرق والمنافذ السيادية ليست ملكاً لفئة من الناس لتغلقها متى تشاء.. والشاهد منذ عهد النكبة تحول إغلاق الطرق والموانئ إلى ما يشبه “الهواية السياسية”؛ تارة بالشرق، وأخرى بالشمال، والنتيجة في النهاية واحدة: نزيف مستمر للاقتصاد الوطني..!!
وإن كانت حكومة الخرطوم عاجزة عن حماية موانئها وطرقها بالقوانين والآليات، وفاشلة في تأمين وصول الدواء والغذاء لشعبها، فهي هنا لا تختلف كثيراً عن قوى الإجرام المسماة بحكومة تأسيس، فتلك أيضاً مجرد (شفشافة) وخيال مآتة ..!!
المهم.. المطلوب مراجعة السياسات التي تستفز المواطن وتدفعه للاحتجاج، مع تأمين المعابر والطرق بقوانين وآليات تحسم العبث.. وما دون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة، نُعالج أورام السرطان بـ “البندول”، أي كمن ينتظر من “الوالي” حل قضية أمن قومي بزيارة تفقدية..!!