عاجل نيوز
“فَرِحِينَ بِما آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضلِه”،
وأمّا مَن بعدَهم، فلا خوفٌ عليهِم ولا هُم يحزنون!
طافَت روحهُ السماءَ في زمن الشدائد، وملأت قلب الوطن فخراً لهذا التراب، ها أنت قد غادرتَ، ولكنكَ خلّفت وراءك سيرةً عطرة تُخلّد على مرِّ الزمان،
الشهيدُ السّعيد/ مُلازم أول: أسامة محمد بكري بابكر،
ابنُ المناصير الأبيّ، طيبُ القلب، الذي نشأ بين أيدي والدينِ غرسوا فيه مبادئ الوفاء، الشجاعة، والإيثار،
ترعرعَ في أرض الأمل، بين مدارسِ الفتيحاب وأروقة الدامر، حيث كانت الطفولة تملأ قلبهُ بالحيوية والنشاط،
في تلك الأماكن البسيطة، زرعَ بذرة الإصرار على أن يكون شيئاً مميزاً،
وكان لديهِ حلم لم يتوقف: أن يكونَ طبيباً، أن يُسهمَ في تخفيف آلام الآخرين،
فكانت الأمانة أكبر من طموحاتهِ الشخصية، ثم تابعَ مسيرته في جامعة كرري،
حيث اجتهدَ وتعلّمَ ليكون في النهاية أحدَ خريجي الكلية الحربية، بعد أن جعلَ شعارهُ في الحياة: “خدمة الوطن شرفٌ لا يعادله شيء”.
في عام 2018، تخرجَ من مجال التمريض العالي، وبعدها لم بكتفِ بالتألُّقِ الأكاديمي بل بدأَ مشوارهُ المهنيَّ في الجنينة،
حيث قدَّمَ الخدمة الوطنية بكل شجاعة وصدق، لا يمكنُ أن ينسى لحظة دخولك إلى تلك المدينة المكلومة،
كانَ يرى أوجاع أهلها ويسمعُ أنينهم، فقرر أن تكون هناك بينهم، يُقدّم يد العون والمساعدة لأبنائها وأهاليها، يُداوي الجروح ويُخفف من المعاناة.
لكن، كيف للريحِ أن تحمل الآمال الجميلة بعيداً؟ لقد كانت الأيام التي تلت ذلك مليئة بالتحديات والتهديدات،
ومع اشتعال الحرب في غرب السودان، كانَ الشهيدُ أسامة في قلب المعركة،
يمشي بثباتٍ على طريق ليس فيه إلا العزة والكرامة، كان كل شيء حولك ينهار،
الناس يهرعونَ فوُجدَ لتطمينِهم، والحرب تقتحمُ الأحياء، لكنهُ بقيَ، ثابتاً كالجبال، مدافعاً عن أهل الجنينة وعن كل شبر في هذه الأرض التي أحبَّها.
في مستشفى الجنينة، حيث كانَ الشهيدُ في يوم من الأيام ذلك الطبيب المخلص الذي يُعالج المرضى، هناك حيث اشتد الهجوم على المستشفى،
وحاصرهمُ العدو من كل اتجاه، كانَ في صمتٍ تام، لكن قلبهُ كان ينبض بالإيمان، وحين اشتد الضرب،
وقال القائد “يجب أن ننتظر”، أجابَ أسامة بكل شجاعة وصرامة: “ما بموت في الدفاع، نموت في الهجوم”.
كانت تلك الكلمات إعلاناً عن موقفهِ الثابت، كانَ يُؤمنُ أن الحياة التي لا تُعاش بشرف هي حياة لا تستحقُّ العيش، اختارَ الموت في الهجوم على أن يكونَ ضحية في الدفاع.
لقد خرجَ من المستشفى برفقةِ رفيقه، مُدافعًا مُقبلاً على العدو، استشهدَ في الجنينة، بتاريخِ الثالث من شهر نوفمبر للعامِ 2023 م،
في قلب الحدث، حيث كانت السماء تراقبهُ وهوَ تودع الدنيا بحبّ وفخر،
استشهدَ وهوَ يشهدُ بأنَّ النضال لا يتوقف، وأنّ أبناءَ الوطنِ لا يستسلمونَ حتى في أحلكِ الظروف،
أسامة، يا من تركت الحياة في عز شبابك، تركت الحلم الذي كان ينتظرك، تركت الأمل الذي كان يلوح في عيون كل من يعرفك،
لكنك في الوقت نفسه زرعت فينا إيماناً أن الشهادة ليست النهاية، بل هي بداية لحياةٍ أسمى،
لقد استشهدَ في مستشفى الجنينة، في مكانٍ كانت كلُّ جدرانه شاهدةٌ على تضحياتهِ وكرامته،
وقد ارتفعت روحُه إلى السماء، ليُكتَب لهُ شيئينَ يريدهُما كل مَن قصدَ وجهَ الله: النصرُ والخلود.
ستظلُّ ذكرى أسامة محمد بكري بابكر نبراساً يُضيء لنا الطريق،
وقصةً تُروى للأجيال القادمة عن الشهامة والبطولة، عن الشجاعة والإيثار،
عن تلكَ النفس التي وهبَت حياتها في سبيلِ وطنها، في سبيلِ شعبها، لقد كانَ أسامة مثالاً حياً للوطنية، وكان الشرفُ العظيم أن يعرفهُ هذا الوطنُ الذي أعطَى له، ولو سقَط، سقَطَ شامخاً!
اللهم اجعَل مثواهُ الجنة، واغفِز لهُ ولجميعِ شُهدائِنا، وارزُق أهلهُ الصبر والسلوان، واجعَل من كلِّ قطرةِ دمٍ أُرِيقَ في هذا الوطن نبراساً للحريةِ والسلام.