من مشروعات الهندسة إلى موقد بيع الشاي.. قصة كفاح مهندسة سودانية فرّت من جحيم الحرب لتواجه مرارة اللجوء في كمبالا
هند عمر الحاج مهندسة بائعة شاي كمبالا اللجوء السودان الحرب
هند عمر الحاج تستبدل مخططات الإنشاءات بأكواب القهوة في يوغندا.. وشهادة إنسانية مؤثرة عن رحلة النزوح الطويلة وصراع البقاء اليومي
متابعات – عاجل نيوز
سمر سليمان
في المشهد الصباحي الذي لا يمت بصلة لحياتها القديمة، تضع هند عمر الحاج الماء على النار في العاصمة اليوغندية كمبالا، وتتحرك يداها بخفة بين أكواب الشاي وأدوات القهوة لترتيب الطاولات بانتظار زبون جديد.
قبل اندلاع الحرب اللعينة، كانت الحكاية مختلفة تماماً؛ فقد كانت هند مهندسة مدنية خريجة جامعة السودان، وصاحبة شركة للإنشاءات والاستثمار المحدودة، تدير المشروعات وتمتلك دخلاً مستقراً ومكانة اجتماعية مرموقة. أما اليوم، وبعد أن اقتحمت الحرب حياتها، تقف أمام موقد صغير تواجه قسوة اللجوء بمفردها، محملة بمسؤولية جسيمة تجاه أربعة أطفال؛ ابنتين وولدان.
تتذكر هند بداية الكابوس بيوم سبت شؤم، حيث بدأ صوت الرصاص بعيداً قبل أن يقترب ويقلب كل موازين حياتها. كانت تعيش مع أطفالها وحدهم في منزلهم بحي الصفا بالقرب من المطار، ومع تصاعد القتال أدركت أن البقاء لم يعد خياراً آمناً.
تقول مسترجعة تلك اللحظات القاسية: «طلعنا بأرواحنا فقط، ما كان معانا زول، وبقينا نعاين للمجهول»، لتنطلق في رحلة نزوح شاقة ومضنية امتدت عبر محطات عديدة شملت شندي، وعطبرة، وبورتسودان، وصولاً إلى سنار وكوستي والرنك وجوبا، انتهاءً بيوغندا، وهي تحمل “الشيلة” وحدها كأم مطلقة ومسؤولة وحيدة عن أطفالها.
قسوة الفراش على الأرض ومعركة تأمين لقمة العيش
حين وطأ قدم هند وأطفالها أراضي يوغندا، لم تكن بانتظارهم حياة رغيدة، بل وصلوا إلى الفراغ المطلق؛ بلا سرير، ولا أثاث، ولا أدوات منزلية. تقول بوصف مؤلم: «وصلت وكنت بفترش الأرض بملاية، أنا وأولادي».
تحولت تفاصيل الحياة البسيطة إلى صراع يومي مع الجوع؛ إذ كانت الأسرة تكتفي في كثير من الأحيان بوجبة واحدة في اليوم، وكانت الأم تختفي بحصتها من المائدة أحياناً لتوفير الطعام لأطفالها مكتفية برشفات من القهوة. ومع ارتفاع تكاليف العلاج، بات المرض كابوساً تخشاه العائلة أشد الخشية.
وأمام ضيق ذات اليد وغياب أي مساعدات من المنظمات الإنسانية التي عادت منها خالية اليدين، أدركت هند أنه لا مفر من العمل لمواجهة أعباء الإيجار والمدارس.
حاولت في البداية صناعة المخبوزات وبيع السندويتشات، وحين لم تحقق الهدف المنشود، استدانت مبلغاً مالياً من أصدقائها واشترت كراسي وطاولات وأدوات بسيطة، لتجد نفسها مجبرة على دخول مجال غريب تماماً عنها؛ فتقف اليوم تبيع الشاي والقهوة لتجالد الحياة وتؤمن مصاريف أطفالها.
الصبر على الألم والهدف الأسمى: مستقبل الأطفال
رغم قسوة امتهان بيع الشاي والقهوة وظروف السوق المتقلبة، ترفض هند الاستسلام لليأس. يظل هدفها الأول والأسمى هو تعليم أطفالها، مؤكدة أن الحرب أخذت منها البيت والعمل والاستقرار المالي وبطاقة لجوء تذكرها دائماً بأن ماضيها أصبح خلفها، لكنها لم تستطع أن تنتزع منها قدرتها على البدء من جديد والوقوف على قدميها كل صباح.
وفي ختام حكايتها التي تختزل مأساة ملايين السودانيين، تبث أمنيتها العميقة قائلة: «كفاية مآسي وألم.. بس عايزاها تقيف عشان نرجع بيوتنا وشغلنا، فترنا من المعاناة والشقاء»، لتستمر في وضع الماء على النار، مكرسة كل دقيقة من أجل أربعة أطفال يريدون الحياة.