تمثال كبودي يشعل جدلاً حول التراث والهوية الدينية في الشمالية
تمثال كبودي يثير جدلاً حول آثار السودان القديمة
منشور يصف التمثال بأنه يجسد إلهاً قديماً ودعوات لترميمه تثير نقاشاً واسعاً بين الحفاظ على الآثار والهوية الإسلامية
متابعات – عاجل نيوز
أثار تمثال كبودي في الولاية الشمالية جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول صورة للتمثال الواقع بالقرب من الشلال الثالث، وظهور تعليقات ومطالبات بإعادة ترميمه والحفاظ عليه باعتباره جزءاً من التراث الحضاري القديم للمنطقة.
وجاء الجدل عقب منشور لطبيب على صفحته الشخصية، عبّر فيه عن أسفه لسقوط التمثال، وذكر أنه يمثل، بحسب وصفه، إحدى الآلهة في المعتقدات القديمة، وذهب إلى تسميته بـ«إله الفحولة».
وأثار هذا الوصف نقاشاً بين المتابعين، خصوصاً مع انتشار تعليقات تدعو إلى ترميم التمثال وإعادته إلى وضعه السابق، باعتباره شاهداً على تاريخ المنطقة وحضارات السودان القديمة.
وفي المقابل، عبّر صاحب المنشور عن رفضه لفكرة ترميم التمثال من منطلق ديني، مؤكداً أن الحفاظ على الهوية الإسلامية، من وجهة نظره، يجب أن يكون حاضراً عند التعامل مع الرموز الدينية المرتبطة بالمعتقدات القديمة.
واستند المنشور في موقفه إلى قصة النبي إبراهيم عليه السلام وتحطيم الأصنام، معتبراً أن إعادة ترميم تمثال يحمل، وفق وصفه، دلالة دينية وثنية تتعارض مع عقيدة التوحيد التي يؤمن بها غالبية السودانيين.
وتحوّل النقاش حول تمثال كبودي إلى جدل أوسع بشأن الطريقة التي ينبغي أن يتعامل بها السودان مع آثاره القديمة، خاصة أن البلاد تمتلك إرثاً حضارياً يمتد إلى آلاف السنين، ويضم مواقع وتماثيل ونقوشاً مرتبطة بممالك وحضارات سبقت انتشار الإسلام في المنطقة.
ويرى أنصار الحفاظ على الآثار أن وجود تمثال أو رمز من حضارة قديمة لا يعني بالضرورة تبني المعتقدات التي ارتبطت به تاريخياً، وإنما يمكن التعامل معه بوصفه وثيقة مادية تساعد على فهم تاريخ السودان وتطور مجتمعاته وثقافاته.
وفي المقابل، يرى آخرون أن بعض الرموز ذات الطابع الديني القديم قد تتعارض مع حساسيات المجتمع الدينية والثقافية، خصوصاً عندما يجري تقديمها في الخطاب العام باعتبارها رموزاً دينية أو موضوعات للاحتفاء.
ويبقى تحديد هوية التمثال ووظيفته التاريخية وأصله الأثري بحاجة إلى معلومات موثقة من مختصين في الآثار والتاريخ، إذ إن وصفه بأنه تجسيد لإله محدد لا يمكن الجزم به اعتماداً على الصورة أو المنشورات المتداولة وحدها.
ويبرز هذا الجدل أهمية التمييز بين دراسة الآثار باعتبارها جزءاً من التاريخ الإنساني وبين ممارسة الشعائر أو تبني المعتقدات المرتبطة بها. فالمتاحف والمواقع الأثرية في مختلف أنحاء العالم تضم تماثيل ورموزاً دينية قديمة، ويتم عرضها لدراسة الحضارات السابقة وتوثيقها دون اعتبار وجودها تبنياً لعقائدها.
وتعيد قضية تمثال كبودي كذلك طرح سؤال مهم حول مستقبل المواقع الأثرية في السودان، خاصة في ظل الحاجة إلى حماية الآثار من السقوط والإهمال والتخريب، وفي الوقت نفسه احترام الخصوصية الدينية والثقافية للمجتمع السوداني.
وبينما يرى فريق أن ترميم التمثال يمثل حفاظاً على جزء من تاريخ السودان، يرى فريق آخر أن الأولوية ينبغي أن تكون للحفاظ على الهوية الدينية والثقافية الحالية وعدم تحويل الرموز المرتبطة بالمعتقدات القديمة إلى رموز للاحتفاء.
ويظل الحسم في هذه القضية مرتبطاً بالتقييم الأثري المتخصص، وتحديد طبيعة التمثال وتاريخه ووظيفته بدقة، قبل اتخاذ أي قرار بشأن ترميمه أو طريقة عرضه والتعريف به.
ويكشف الجدل المتصاعد حول تمثال كبودي عن حاجة السودان إلى نقاش هادئ يجمع علماء الآثار والمؤرخين ورجال الدين والمجتمع المحلي، بهدف الوصول إلى صيغة تحفظ التاريخ وتوثق الحضارات القديمة، وفي الوقت نفسه تراعي القيم الدينية والثقافية التي تشكل وجدان المجتمع السوداني.