إبتزاز غير مسبوق .. تأشيرة البرهان تتحول إلى أزمة دبلوماسية.. واشنطن تربط الحضور في نيويورك بهدنة السودان؟
إصدار تأشيرة البرهان.. واشنطن تمتنع عن منح تأشيرة رئيس مجلس السيادة قبل الجمعية العامة
الخرطوم تطلب تدخل غوتيريش وواشنطن لم تصدر التأشيرة قبل أيام من كلمة البرهان أمام الجمعية العامة
متابعات – عاجل نيوز
دخل ملف إصدار تأشيرة البرهان إلى دائرة التوتر الدبلوماسي بين الخرطوم وواشنطن، قبل أيام قليلة من الموعد المقرر لمشاركة رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بمدينة نيويورك.
وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز الثلاثاء 22 سبتمبر، فإن الولايات المتحدة لم تصدر حتى الآن تأشيرة دخول للبرهان والوفد السوداني المرافق له، في وقت كان مقرراً أن يقود فيه البرهان وفد بلاده ويلقي كلمة السودان أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة.
وتصاعدت القضية بعد أن خاطب سفير السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس الحارث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، طالباً تدخلاً عاجلاً لدى السلطات الأميركية لضمان إصدار التأشيرة وتمكين الوفد السوداني من المشاركة في اجتماعات الأسبوع رفيع المستوى.
وأوضحت المذكرة السودانية، المؤرخة في 21 سبتمبر، أن الوفد استوفى الإجراءات المطلوبة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، وأن استمرار عدم إصدار التأشيرة قد يحول دون مشاركة رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة شخصياً في الاجتماعات وتمثيل بلاده أمام المنظمة الدولية.
من جهته، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن غوتيريش يشعر بقلق بالغ إزاء المسألة، مؤكداً أن أمانة الأمم المتحدة أثارت الموضوع سريعاً مع السلطات الأميركية وتواصل اتصالاتها بشأنه.
وتأخذ الأزمة بعداً أكثر حساسية بسبب ما أوردته رويترز نقلاً عن مصادر سودانية ودبلوماسية وغربية، من أن إصدار تأشيرة البرهان يبدو مرتبطاً بموقفه من مقترح أميركي لوقف إطلاق النار في السودان لمدة 90 يوماً.
وبحسب هذه المصادر، فإن المقترح طُرح من جانب مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، فيما كان الجيش السوداني قد أبدى تحفظات على المقترح خلال الفترة الماضية.
لكن اللافت أن هذا الربط لم يصدر حتى الآن في صورة إعلان رسمي أميركي يوضح أن منح التأشيرة مشروط بقبول الهدنة، وإنما ورد في إفادات المصادر التي تحدثت إلى رويترز، وهو ما يجعل توصيف العلاقة بين الملفين بحاجة إلى التمييز بين المعلومات المنقولة والموقف الرسمي المعلن.
وتأتي أزمة إصدار تأشيرة البرهان في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لمسار الحرب السودانية، خصوصاً مع تكثيف واشنطن تحركاتها الدبلوماسية لدفع الأطراف نحو وقف مؤقت لإطلاق النار يسمح بزيادة المساعدات الإنسانية وفتح مسارات وصول للمدنيين.
وكانت الولايات المتحدة قد طرحت في سبتمبر مقترحاً لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، في إطار مساعٍ دبلوماسية أوسع لإنهاء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار الخلاف حول طبيعة الهدنة وشروطها وآليات تنفيذها، وسط مخاوف سودانية من أن تؤدي أي هدنة غير متوازنة إلى إعادة ترتيب الأوضاع العسكرية قبل التوصل إلى اتفاق سياسي وأمني شامل.
وكان البرهان قد كتب في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي يوم الاثنين، منتقداً ما وصفه بالإملاءات الخارجية المتعلقة بالحرب، ومشيراً إلى أن وقف إطلاق النار السابق أتاح لقوات الدعم السريع وداعميها فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، في موقف يعكس تحفظ الخرطوم على صيغ الهدنة التي لا تضمن معالجة المخاوف العسكرية والأمنية التي تطرحها الحكومة والجيش.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى وقف إطلاق النار باعتباره مدخلاً لتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية والضغط باتجاه مسار سياسي ينهي الحرب، بينما لا تزال تفاصيل المقترح الأميركي محل خلاف بين الأطراف السودانية.
ولا تتوقف حساسية الأزمة عند تأشيرة البرهان وحدها، إذ تشير التطورات إلى اتساع مساحة الخلاف بين واشنطن والقيادة السودانية بشأن كيفية التعامل مع الحرب، في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية متزايدة على الأطراف المتحاربة.
ومن بين الملفات التي تزيد التوتر أيضاً مقترح أميركي لتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل بقية أنحاء السودان، وهو إجراء من شأنه أن يضيف بعداً جديداً إلى الخلاف بين الخرطوم وواشنطن حول الحرب ومسؤولية الأطراف عنها.
وفي الجانب الآخر، فإن عدم إصدار التأشيرة قبل أيام من اجتماع الجمعية العامة يضع الأمم المتحدة أمام مسألة تتجاوز الخلاف السياسي بين السودان والولايات المتحدة، باعتبار أن مشاركة وفود الدول الأعضاء في اجتماعات المنظمة الدولية تخضع كذلك لإجراءات واتفاقات مرتبطة باستضافة الاجتماعات في نيويورك.
ولهذا لجأت الخرطوم إلى الأمين العام للأمم المتحدة، مطالبة إياه بالتدخل لضمان تمكين البرهان والوفد السوداني من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة وفق الإجراءات المعمول بها.
ومع اقتراب يوم الخميس 24 سبتمبر، الموعد الذي كان محدداً لإلقاء كلمة السودان، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت واشنطن ستصدر التأشيرة في الوقت المناسب، أم أن الملف سيستمر باعتباره نقطة خلاف جديدة في العلاقات الأميركية السودانية.
وتبقى النقطة الأكثر إثارة للجدل هي العلاقة بين التأشيرة ومقترح الهدنة. فبينما تنقل رويترز عن مصادر أن هناك ارتباطاً بين الملفين، لم تقدم واشنطن، حتى وقت نشر التقرير، إعلاناً رسمياً يؤكد أن موافقة البرهان على الهدنة شرط لإصدار التأشيرة.
وفي انتظار اتضاح الموقف الأميركي، تحولت قضية إصدار تأشيرة البرهان من إجراء بروتوكولي يسبق مشاركة رئيس مجلس السيادة في اجتماعات الأمم المتحدة إلى ملف دبلوماسي مفتوح، تتقاطع فيه الحرب السودانية مع مساعي الوساطة الأميركية، وتترقب الخرطوم حسمه قبل موعد كلمة السودان أمام الجمعية العامة.