«السافنا.. ثوب جديد وذاكرة مثقلة بالدماء».. رשאن أوشي تفكك سقوط وتجارة المليشيا،
رشان أوشي تكتب عن السافنا وسقوط قيادات الدعم السريع وذاكرة السودانيين
الكاتبة البارزة تحذر من محاولات إعادة تسويق «علي رزق الله السافنا» كبطل بعد استسلامه للجيش.. وتشدد: لا مساومة على دماء الضحايا ولا هضم لتضحيات موسى هلال وقوات المشتركة
متابعات – عاجل نيوز
حين هاجمت مليشيا الدعم السريع سجون ولاية الخرطوم، وفي مقدمتها سجن الهدى غرب أم درمان، وأطلقت سراح سجناء ومعتادي إجرام ومحكومين في جرائم خطيرة، كان من بين الذين خرجوا “علي رزق الله” الشهير ب”السافنا”، المحكوم عليه في قضية قتل ونهب تاجر ذهب من أبناء الولاية الشمالية.
لم يمض وقت طويل حتى انضم “السافنا” إلى صفوف المليشيا، قبل أن يظهر، بعد أشهر، في مقطع فيديو مصور من كبري الحلفايا، متوعداً مدينة بحري، ومبشراً موالي المليشيا بنهبها وتشريد أهلها. ثم غاب عن المشهد، ليظهر لاحقاً في دارفور، في وقت كانت فيه المجازر ضد المدنيين تبلغ ذروتها.
وبعد ذلك، نشب خلاف بينه وبين “عبد الرحيم دقلو” حول الأموال والغنائم، وبدأت علاقته بالمليشيا تتصدع، قبل أن يظهر مجدداً مستسلماً للجيش، مرتدياً زيه، ومتحدثاً لوسائل الإعلام عن جرائم الدعم السريع. لكن، هل يكفي تغيير الزي العسكري ومغادرة صفوف المليشيا لمحو الذاكرة؟ .
لن يصبح من شارك في الحرب ضد السودانيين ، ثم اختلف مع قادة الدعم السريع ، بطلاً بمجرد أن اختار الاستسلام.
ذاكرة الشعب السوداني ليست ذاكرة ذبابة. جراح السودانيين ما تزال غائرة، وآلامهم حاضرة، وذاكرتهم لم تمح ما جرى من قتل ونهب وتشريد وانتهاكات.
لم ينسوا، ولن تمحو الأيام ما ارتكب في حقهم. وربما صمت السودانيين تقديراً لحسابات الدولة وتعقيدات المشهد القبلي في دارفور، حيث تتداخل ضرورات الحرب مع التوازنات المحلية، في إقليم أنهكته الصراعات لعقود.
نعم، لدينا تحفظات واضحة على وجود أي تشكيلات مسلحة خارج مؤسسات الدولة الرسمية، بما في ذلك القوات المشتركة.
فالدولة التي تسعى إلى استعادة سيادتها لا يمكن أن تستقر في ظل تعدد الجيوش ومراكز القوة.
لكن هذا الموقف لا يمنح “السافنا” الحق في المزايدة على تلك القوات، أو الانتقاص من تضحيات شهدائها، أو إعادة كتابة وقائع الحرب بما يخدم صورته الجديدة.
قد تختلف دوافع قادة القوات المشتركة التي قاتلت إلى جانب الجيش، وقد تتباين حساباتهم السياسية والسلطوية والمالية، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن هذه القوات قاتلت التمرد، وقدمت تضحيات في مواجهة الدعم السريع، ودافعت عن مناطقها وعن الوطن، مهما كانت المآخذ على بعض مواقفها أو أهدافها.
كما أن للشيخ موسى هلال، زعيم المحاميد، واللواء النور القبة مواقف لا يجوز اختزالها أو مصادرتها في سياق إعادة تسويق “السافنا” لنفسه.
فموسى هلال اتخذ موقف مناهض لآل دقلو، ولم يكن يوماً حليفاً لهم. أما النور القبة، فرغم ارتباطه السابق بقيادات الدعم السريع، فلا ينبغي إدانته بجرائم محددة من دون أدلة مادية تثبت مسؤوليته عنها.
لن يقبل السودانيين أن تتحول مواقف الرجال وتضحيات المقاتلين إلى غنائم سياسية يستولي عليها من غير موقعه عندما تبدلت موازين القوة.
لا يحق للسافنا أن يستظل بمواقف موسى هلال، أو أن يتكئ على تضحيات ابناء المحاميد وهم يقاتلون إلى جانب الجيش، ليصنع لنفسه بطولة جديدة، متجاوزاً ماضيه ومواقفه السابقة.
إذا كانت الدولة قد رأت في قبول استسلامه ضرورة تفرضها حسابات الحرب، فذلك شأن تقدره مؤسساتها وفق مصالح البلاد. أما الشعب، فليس ملزماً بأن يمنحه صك بطولة، أو أن يتعامل مع ظهوره الأخير باعتباره صفحة بيضاء، تطوى فيها كل الصفحات السابقة.
وسيأتي اليوم الذي ستفتح فيه الملفات، وتواجه كل الاتهامات بالأدلة، ويحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم، أياً كان موقعه أو الزي الذي يرتديه.
ذلك حق الضحايا، وواجب العدالة، والطريق الوحيد إلى سلام لا يقوم على النسيان أو الإفلات من العقاب.
محبتي واحترامي