لماذا يحتفي الجيش السوداني باسقاط المسيرات الاستراتيجية؟ إسقاطها يكشف ما وراء المعركة
لماذا يمثل إسقاط المسيرات الاستراتيجية مكسبًا للجيش؟
إسقاط مسيرتين خلال يوم واحد يعيد طرح سؤال القدرات الجوية وحجم الخسائر التي يمكن أن تتكبدها قوات الدعم السريع
متابعات – عاجل نيوز
أعاد إسقاط الجيش لمسيرتين وصفهما مصدر محلي بأنهما «استراتيجيتان» فتح النقاش حول أهمية هذا النوع من الطائرات المسيّرة، ولماذا تحظى عملية اعتراضها باهتمام عسكري وإعلامي يفوق إسقاط مسيرة تقليدية.
وجاءت الواقعة، بحسب المعلومات المتداولة، في سماء منطقة جريجخ، بعد أيام من إعلان إسقاط مسيرة أخرى من النوع نفسه في سماء جبرة الشيخ، ما دفع إلى طرح تساؤلات حول طبيعة هذه الطائرات، وقدراتها، والقيمة العسكرية المترتبة على تحييدها.
ويشير تحليل نشره الدكتور محمد عثمان عوض الله إلى أن المسيرات الاستراتيجية تمثل سلاحًا مختلفًا من حيث المدى والقدرة على البقاء في الأجواء، إضافة إلى إمكانية استخدامها في الاستطلاع والاستهداف، الأمر الذي يجعل مواجهتها جزءًا مهمًا من معركة السيطرة الجوية.
ما الذي يجعل المسيرات الاستراتيجية مختلفة؟
بحسب التحليل المتداول، تتميز هذه المسيرات بقدرتها على التحليق على ارتفاعات كبيرة، وتنفيذ مهام لفترات طويلة، إضافة إلى امتلاك بعض الطرازات أنظمة متقدمة للاستطلاع والمراقبة والاتصال.
كما يمكن للمسيرات بعيدة المدى تنفيذ عمليات على مسافات كبيرة من مواقع إطلاقها، وهو ما يمنحها قدرة على الوصول إلى مناطق بعيدة دون الحاجة إلى تحريك وحدات برية كبيرة بالقرب من خطوط المواجهة.
وتختلف قدرات المسيرات بصورة كبيرة بحسب الطراز والشركة المصنعة والتجهيزات المستخدمة، ولذلك فإن وصف أي طائرة بأنها «استراتيجية» لا يعني بالضرورة أنها تمتلك جميع القدرات المذكورة في التحليل المتداول.
ولهذا السبب، فإن تقييم خطورة المسيرة يحتاج إلى معرفة نوعها ومداها وحمولتها وأنظمة الاستطلاع والاتصال التي تستخدمها، بدلًا من الاعتماد على الوصف العام وحده.
لماذا يمثل إسقاطها أهمية عسكرية؟
تكمن أهمية إسقاط المسيرات الاستراتيجية في حرمان الطرف الآخر من منصة يمكن استخدامها للمراقبة والاستطلاع والهجوم، خصوصًا عندما تكون الطائرة قادرة على البقاء في الجو لفترات طويلة.
فالمسيرة التي تنجح في الوصول إلى منطقة العمليات تستطيع توفير معلومات عن تحركات القوات والمواقع العسكرية وطرق الإمداد، وقد تستخدم هذه المعلومات لتوجيه ضربات أو تحسين دقة العمليات اللاحقة.
ومن هنا، فإن إسقاطها لا يعني فقط تدمير طائرة، بل قد يعني أيضًا قطع مهمة استطلاع أو هجوم كانت ستستمر لساعات، وحرمان القوات التي تشغلها من معلومات ميدانية يمكن أن تؤثر في سير المعركة.
معركة فوق الأرض وتحتها
وأصبحت الطائرات المسيّرة واحدة من أبرز أدوات الحرب الحديثة، إذ لم تعد المواجهات تعتمد فقط على الدبابات والمدفعية والقوات البرية.
وتسمح المسيرات للطرف الذي يمتلكها بمراقبة مناطق واسعة، واكتشاف التحركات، وتحديد الأهداف، وتنفيذ هجمات من مسافات بعيدة، بينما تعمل منظومات الدفاع الجوي على اكتشافها واعتراضها.
ولهذا فإن إسقاط المسيرات الاستراتيجية يدخل في إطار معركة أوسع للسيطرة على المجال الجوي، حتى لو لم تكن السيطرة الجوية بمعناها التقليدي الكامل.
الخسارة لا تتوقف عند الطائرة
وأشار التحليل المتداول إلى أن خسارة المسيرة الاستراتيجية قد تكون مكلفة ماديًا، ليس فقط بسبب قيمة الطائرة، وإنما بسبب التجهيزات المرتبطة بتشغيلها والطاقم والذخائر والمهمة التي كانت تنفذها.
غير أن الأرقام الواردة بشأن تكلفة المسيرة أو تكلفة الطلعة التشغيلية تحتاج إلى مصادر موثوقة تحدد الطراز المستخدم وسعره الفعلي وتكاليف تشغيله.
كما أن تقدير الخسارة العسكرية لا يقاس بالسعر المالي وحده، إذ قد تكون قيمة المهمة التي كانت الطائرة تنفذها أكبر من قيمة المنصة نفسها، خصوصًا إذا كانت في مهمة استطلاع أو تستهدف مواقع ذات أهمية.
هل يستحق إسقاطها الاحتفاء؟
يرى التحليل المنشور أن تكرار إسقاط المسيرات الاستراتيجية يمثل مؤشرًا مهمًا على قدرة الدفاعات على التعامل مع تهديد جوي متطور.
لكن الأهم عسكريًا ليس عدد البيانات الصادرة، وإنما معرفة ما إذا كانت عمليات الاعتراض تؤدي فعلًا إلى تقليص قدرة الطرف الآخر على استخدام المسيرات، أو إجباره على تغيير تكتيكاته ومساراته وطرق تشغيله.
كما أن نجاح الدفاع الجوي في اعتراض طائرة مسيّرة لا يعني تلقائيًا تحقيق تفوق جوي شامل، لأن تقييم التفوق يحتاج إلى النظر في عدد الطائرات المستخدمة، ومعدلات الاعتراض، وقدرة كل طرف على تعويض خسائره، ومدى استمرار العمليات الجوية.
ومع ذلك، فإن تكرار إسقاط هذا النوع من الطائرات، إذا تأكدت المعلومات ميدانيًا، يظل تطورًا لافتًا في حرب تعتمد بصورة متزايدة على المسيرات والاستطلاع الجوي والهجمات بعيدة المدى.
وفي ظل استمرار المعارك، تبدو المسيرات الاستراتيجية واحدة من أهم أدوات الصراع على المعلومات والمواقع والأهداف، بينما يمثل اعتراضها تحديًا رئيسيًا لأي طرف يريد حماية قواته ومنشآته من الضربات الجوية.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: كم مسيرة أسقط الجيش؟
بل أصبح السؤال الأهم: هل تستطيع منظومات الدفاع الجوي تحويل إسقاط المسيرات الاستراتيجية من نجاحات متفرقة إلى قدرة مستمرة تحد من تأثير هذا السلاح في مسار المعركة؟