هل تنجح الحكومة في وقف تآكل سعر الصرف؟ الحكومة تتحرك وشطب شركات على طاولة الإنقاذ
تآكل الجنيه.. الحكومة تقرر شطب شركات غير مستوفية
لجنة إدارة الاقتصاد تشكل خلية بقيادة وزير المالية وتراجع سجلات الشركات والإنتاج والصادرات
متابعات – عاجل نيوز
في اجتماع حمل عنواناً اقتصادياً شديد الحساسية، ناقشت اللجنة العليا لإدارة الاقتصاد برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس أزمة تآكل سعر صرف العملة الوطنية وانعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين، قبل أن تتخذ حزمة من القرارات التي تستهدف ضبط السوق ودعم الإنتاج وتحسين أداء القطاعات الاقتصادية.
وجاء ملف تآكل سعر الصرف في مقدمة القضايا المطروحة، باعتباره أحد أبرز العوامل التي تضغط على القوة الشرائية للجنيه وترفع تكلفة السلع والخدمات، في وقت يواجه فيه المواطن السوداني أعباء معيشية متزايدة.
خلية جديدة لإدارة سعر الصرف
وبحسب ما أعلنه وكيل وزارة الإعلام جراهام عبد القادر، قررت اللجنة تشكيل خلية لإدارة سعر الصرف بقيادة وزير المالية.
وتستهدف الخطوة الوصول إلى معالجات عاجلة للاضطرابات المرتبطة بسوق الصرف، والعمل على حماية قيمة العملة الوطنية والحد من الآثار المترتبة على تراجع قدرتها الشرائية.
ويأتي تشكيل الخلية في ظل حاجة الحكومة إلى إجراءات متزامنة، إذ إن معالجة سعر الصرف لا ترتبط بقرار واحد، وإنما تتأثر بالإنتاج والصادرات والواردات وتوافر النقد الأجنبي والسياسات المالية والنقدية.
شطب شركات وأسماء أعمال
ومن أبرز القرارات التي خرج بها الاجتماع، مراجعة وتنقيح سجلات الشركات وأسماء الأعمال والوكالات التجارية.
ووفق التصريحات الحكومية، ستعمل الجهات المختصة على التأكد من جودة البيانات وتحديثها، مع شطب الجهات التي لا تستوفي المتطلبات والبيانات المطلوبة.
ويطرح القرار تساؤلات حول حجم الشركات والوكالات المسجلة التي لا تستوفي شروط العمل أو لم تحدث بياناتها، ومدى تأثير ذلك على تنظيم النشاط التجاري والاقتصادي.
لكن القرار، بحسب ما أعلنته اللجنة، يأتي في إطار تنظيم البيئة الاقتصادية وليس باعتباره إجراءً منفصلاً عن بقية التدابير.
لماذا الإنتاج هو كلمة السر؟
لم تقتصر قرارات اللجنة على الشركات وسعر الصرف، بل شملت زيادة الإنتاج والإنتاجية في عدد من القطاعات التي يمكن أن توفر موارد نقد أجنبي للسودان.
ووضع الاجتماع التعدين والزراعة والثروة الحيوانية ضمن القطاعات المستهدفة، إلى جانب تشجيع الصناعات التحويلية.
وتعكس هذه الإجراءات توجهاً نحو معالجة جذور المشكلة من خلال زيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات، بدلاً من الاعتماد بصورة أكبر على الاستيراد.
التعدين والزراعة في مواجهة أزمة العملة
يمتلك السودان موارد واسعة في مجالات التعدين والزراعة والثروة الحيوانية، إلا أن الاستفادة منها ترتبط بقدرة الدولة على تنظيم الإنتاج وتحسين سلاسل القيمة والتصدير.
وفي حالة التعدين، فإن زيادة الإنتاج الرسمي وتحسين آليات التصدير يمكن أن يساهما في تعزيز تدفقات النقد الأجنبي.
أما الزراعة والثروة الحيوانية، فتمثلان فرصاً كبيرة لزيادة الصادرات، خصوصاً إذا انتقلت المنتجات من صورتها الخام إلى صناعات تحويلية تحقق قيمة مضافة أعلى.
وهنا يأتي التركيز الحكومي على الصناعات التحويلية باعتباره جزءاً من محاولة توسيع قاعدة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على استيراد السلع المصنعة.
هل تنجح الحكومة في وقف تآكل سعر الصرف؟
يبقى السؤال الأصعب هو مدى قدرة هذه الإجراءات على تحقيق نتائج سريعة في سعر الصرف.
فتشكيل خلية لإدارة السوق يمكن أن يساعد في تنسيق السياسات الحكومية، لكن استقرار العملة يحتاج إلى عوامل أوسع، من بينها زيادة الإنتاج والصادرات، ضبط الإنفاق، تحسين الإيرادات، توفير النقد الأجنبي، وتقليل الاختلالات التي تضغط على الاقتصاد.
كما أن تأثير القرارات الإنتاجية قد يحتاج إلى وقت قبل أن يظهر بصورة واضحة في سوق الصرف.
ولهذا فإن نجاح الخطة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو القرارات المعلنة، وإنما بمدى انعكاسها على سعر الصرف والأسعار والقوة الشرائية للمواطن.
الهدف النهائي: حماية المواطن
وتشير الحزمة الحكومية إلى أن الهدف النهائي لا يتعلق بسوق الصرف وحده، وإنما بتخفيف الضغوط المعيشية التي يتحملها المواطن.
فكلما فقدت العملة جزءاً من قيمتها، ارتفعت تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على أسعار الأسواق.
ومن هنا فإن حماية القدرة الشرائية للجنيه تمثل جانباً أساسياً من معالجة الأزمة الاقتصادية.
قرارات تنتظر الاختبار
وتضع الحكومة نفسها أمام اختبار اقتصادي صعب، فقرارات مراجعة الشركات وشطب غير المستوفي منها قد تساعد في تنظيم النشاط الاقتصادي، بينما يمثل دعم الإنتاج والتصدير الطريق الأهم لتعزيز موارد البلاد من النقد الأجنبي.
أما خلية إدارة سعر الصرف، فستكون أمام مهمة أكثر تعقيداً تتمثل في تنسيق الاستجابة الحكومية للاضطرابات في سوق العملة.
وبين القرارات العاجلة والإصلاحات طويلة المدى، يبقى المواطن هو الطرف الذي ينتظر النتيجة الأكثر وضوحاً: استقرار سعر الصرف، توقف موجة ارتفاع الأسعار، وتحسن القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية.
فالاقتصاد السوداني لا يحتاج فقط إلى قرارات جديدة، وإنما إلى تحويل هذه القرارات إلى إنتاج وصادرات وإيرادات حقيقية، لأن معالجة تآكل سعر الصرف في النهاية تبدأ من قوة الاقتصاد نفسه.