عاجل نيوز تكشف بالأسماء.. كيف يُهرّب ذهب دارفور عبر الحدود؟
تهريب ذهب دارفور.. مسارات سرية وأسماء شركات ووجهات
من جبل عامر وسنقو إلى إفريقيا الوسطى وتشاد.. شبكة تهريب تنتهي في دبي
متابعات – عاجل نيوز
فتح تحقيق استقصائي نشرته «سودان تربيون» ملف تهريب ذهب دارفور، كاشفاً عن شبكة عابرة للحدود تمتد من مناطق التعدين في غرب السودان إلى إفريقيا الوسطى وتشاد، قبل أن تجد كميات من المعدن النفيس طريقها إلى أسواق خارجية، في مقدمتها الإمارات.
وبحسب التحقيق، الذي أعده فريق «سودان تربيون» على مدى أسابيع، فإن غياب الرقابة الحكومية في أجزاء واسعة من دارفور، إلى جانب سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق تعدين وطرق حدودية، ساعد في نشوء اقتصاد موازٍ يعتمد على استخراج الذهب ونقله خارج القنوات الرسمية.
مناجم تتحول إلى مناطق مغلقة
يشير التحقيق إلى أن دارفور تضم عدداً كبيراً من مناطق التعدين، من أبرزها جبل عامر في شمال دارفور، ومناجم الردوم وسنقو في جنوب الإقليم، إلى جانب كتم وكبكابية وأم دخن وحفرة النحاس.
ويبرز جبل عامر باعتباره أحد أشهر مواقع إنتاج الذهب في دارفور، فيما تتمتع مناطق الردوم وسنقو بأهمية إضافية بسبب قربها من الحدود مع إفريقيا الوسطى وسهولة الوصول منها إلى الطرق العابرة للحدود.
وبحسب «سودان تربيون»، تحولت بعض مواقع التعدين إلى مناطق مغلقة تخضع لترتيبات أمنية وميدانية، ما صعّب الوصول إليها وفتح المجال أمام نشاط التعدين والتهريب بعيداً عن المؤسسات الرسمية.
علاقة مع فاغنر
يتحدث التحقيق عن علاقة وتداخل بين قوات الدعم السريع ومجموعة فاغنر الروسية، تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، واستمرت بصورة متقطعة بعد ذلك.
ووفق المصادر التي تحدثت إلى التحقيق، ارتبطت هذه العلاقة بحماية مناطق استخراج الذهب وتوفير خدمات لوجستية وتقنية، إلى جانب نقل معدات وأسلحة، مع استخدام مهابط ترابية ومطارات نائية في دارفور.
ويشير التحقيق إلى أن قاعدة بيراو في شمال جمهورية إفريقيا الوسطى كانت إحدى النقاط المرتبطة بالامتدادات العسكرية لفاغنر في المنطقة.
أم دافوق.. بوابة الذهب إلى إفريقيا الوسطى
يكشف التحقيق أن أحد أبرز مسارات تهريب ذهب دارفور يبدأ من مناطق الردوم وسنقو وأم دخن، ثم يتجه غرباً نحو معبر أم دافوق الحدودي.
وبحسب المعلومات التي أوردتها «سودان تربيون»، تنقل شحنات الذهب بواسطة سيارات دفع رباعي وشاحنات تحت الحراسة، قبل عبورها إلى الأراضي الواقعة في إفريقيا الوسطى باتجاه بيراو، ومنها إلى بانغي.
ويشير التحقيق إلى أن طبيعة الحدود المفتوحة والمساحات الشاسعة وغير المراقبة تجعل عمليات التهريب أكثر سهولة، وتتيح للمهربين استخدام طرق بعيدة عن المعابر الرسمية.
مسار آخر عبر تشاد
ولا يتوقف تهريب ذهب دارفور عند إفريقيا الوسطى، إذ رصد التحقيق مساراً آخر باتجاه الأراضي التشادية.
ويبدأ هذا المسار من شمال دارفور، قبل أن تمتد الرحلات عبر الطرق الصحراوية نحو تشاد، وصولاً إلى منطقة إنيضي في شمال شرق البلاد.
وبحسب التحقيق، قد تمتد الرحلة البرية من أنجمينا إلى منطقة فادا في هضبة إنيضي لمسافة تتراوح بين 1000 و1200 كيلومتر، وتستغرق عدة أيام باستخدام سيارات الدفع الرباعي.
شهادات من داخل عمليات النقل
استند تحقيق «سودان تربيون» إلى شهادات عدد من العمال والسائقين الذين قالوا إنهم شاركوا في نقل شحنات من الذهب.
وقال أحد السائقين، الذي استخدم التحقيق الأحرف الأولى من اسمه «م. ع»، إنه عمل في نقل الخام من جبل عامر خلال الفترة بين 2022 و2024، وإن القوافل كانت تضم عدة سيارات دفع رباعي وشاحنات مغلقة وتتحرك تحت حراسة.
وأضاف، بحسب التحقيق، أن الشحنات كانت توضع داخل صناديق خشبية وأخرى حديدية، ويتم نقلها من مناطق ومخازن في أم دخن والردوم وغيرها، قبل التحرك باتجاه الحدود.
كما نقل التحقيق شهادة سائق آخر، «ص. ب»، عمل في منطقة سنقو، وقال إنه تولى لاحقاً مهمة الإشراف على عمليات الوزن والتقييم وإصدار أوراق الشحنات.
وبحسب شهادته، كان الذهب المصفى يجمع في مقرات خاصة، ثم يوزن ويختم بترميز خاص قبل تسليمه إلى مندوبين، فيما تحدث عن شحنات تراوحت، وفق روايته، بين 80 و120 كيلوغراماً في الرحلة الواحدة.
35 إلى 45 طناً سنوياً
ويورد التحقيق تقديرات لأشخاص سبق لهم العمل في نقل الذهب، تفيد بأن ما بين 12 و18 طناً من الذهب تمر سنوياً عبر مسار أم دافوق – بيراو.
كما ينقل عن مراقبين تقديرات بأن إجمالي الذهب المهرب من دارفور قد يتراوح بين 35 و45 طناً سنوياً.
وهذه الأرقام ليست بيانات حكومية رسمية، وإنما تقديرات نقلها التحقيق عن مصادر ومراقبين، ما يجعلها بحاجة إلى تحقق مستقل.
غسل هوية الذهب
ومن أبرز النقاط التي تناولها التحقيق ما وصفه بـ«غسيل هوية» الذهب.
وبحسب المعلومات الواردة فيه، فإن الذهب الذي يدخل إفريقيا الوسطى من السودان يمكن أن يحصل على مستندات وشهادات منشأ جديدة باعتباره منتجاً محلياً، قبل إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية.
وتسمح هذه العملية، وفق التحقيق، بإخفاء المصدر الحقيقي للمعدن وإبعاده عن مساره السوداني الأصلي، وهو ما يعقد عملية تتبع الذهب داخل الأسواق الدولية.
شركات وأسماء في مسار الذهب
سمّى التحقيق عدداً من الشركات التي قال إنها ارتبطت بتجارة الذهب في إفريقيا الوسطى، من بينها «سيغما ريسورسز» و«سيغما مينيرالز» و«سيغما غولد».
وأشار إلى ارتباط هذه الشركات بشركة «International Holding Company» الموجودة في أبوظبي، كما تحدث عن شركة «Bangui Better Built» التي وصفها بأنها من أكبر مصدري الذهب الرسميين في إفريقيا الوسطى.
كما أورد التحقيق اسم رجل الأعمال الإسرائيلي إفريز إفراهاموف، بوصفه المالك الرسمي للشركة الأخيرة.
وتبقى هذه المعلومات، بما فيها طبيعة الملكية والعلاقات التجارية، منسوبة إلى ما أورده التحقيق ومصادره، ولا تعني ثبوت ارتكاب أي من الشركات أو الأشخاص المذكورين لجريمة ما دون نتائج تحقيقات رسمية أو أحكام قضائية.
دبي.. المحطة الأخيرة
بحسب التحقيق، تمثل الإمارات، وخاصة سوق دبي، الوجهة الرئيسية لجزء كبير من الذهب الذي يخرج من غرب السودان عبر إفريقيا الوسطى وتشاد.
وتشير المعلومات التي أوردها التحقيق إلى نقل الذهب جواً من بانغي وأنجمينا باستخدام مستندات منشأ قال التحقيق إنها قد تكون مزورة، قبل وصوله إلى المصافي والأسواق المالية.
وتبرز هذه النقطة باعتبارها الحلقة الأهم في سلسلة تهريب ذهب دارفور، إذ لا تنتهي العملية عند إخراج الذهب من مناطق التعدين، وإنما تستمر عبر دول وسيطة وشركات وشبكات تجارية حتى يصل المعدن إلى الأسواق العالمية.
ثروة خارج الرقابة
ويكشف التحقيق أن قضية تهريب ذهب دارفور تتجاوز مجرد عمليات نقل غير قانونية للمعدن النفيس، لتلامس ملفاً اقتصادياً وأمنياً عابراً للحدود.
فخروج كميات كبيرة من الذهب بعيداً عن القنوات الرسمية يعني فقدان الدولة السودانية لعائدات مالية مهمة، بينما تتيح مناطق النزاع والجغرافيا الحدودية المعقدة إنشاء شبكات يصعب تتبعها.
كما تثير المعلومات الواردة في التحقيق تساؤلات حول الجهات التي تستفيد من هذه التجارة، وكيف تنتقل الأموال الناتجة عنها، وما إذا كانت عائدات الذهب تستخدم في تمويل أنشطة عسكرية أو شبكات مسلحة.
ويبقى ملف تهريب ذهب دارفور مفتوحاً على مزيد من التحقيقات، خصوصاً مع وجود مسارات متعددة تمتد بين السودان وتشاد وإفريقيا الوسطى والإمارات، وشبكات تجارية وأمنية عابرة للحدود، وسط حاجة إلى تحقيقات مستقلة تكشف بصورة دقيقة حجم الذهب الخارج من السودان والجهات المستفيدة منه.