عاجل نيوز
منذ أن تحولت القوات المسلحة السودانية من وضعية الدفاع إلى الهجوم المنظّم، لم تهدأ أصوات قيادات المليشيا، وهم يطلقون التصريحات التي تكشف حجم الفوضى والتراجع في صفوفهم. صراخهم المتكرر ليس إلا اعترافًا بالعجز أمام التحول النوعي في التكتيك العسكري الذي قلب موازين الميدان.
لقد اعتمدت القوات المسلحة خلال الفترة الماضية على استراتيجية دفاعية محكمة، تكاملت فيها عمليات الأرض مع سلاح الجو، وشكّل التهور الأرعن للمليشيا أرضية مثالية لاصطياد عناصرها وقياداتها في كمائن دقيقة. كانت النتيجة كارثية على المليشيا: انهيار منظومة ما تُسمى “قوات النخبة” التابعة للدعم السريع.
سقوط قوات النخبة… سقوط الأساس
هذه “القوات الخاصة” لم تكن تشكيلًا طارئًا، بل شُكّلت وتلقت تدريبها في الأساس على يد الجيش السوداني وهيئة العمليات، ما جعلها تمتلك بعض الدراية بجغرافيا الحرب وأساليب المواجهة.
لكن في الحرب، لا يكفي أن تعرف الأرض. فحين تخونك القيادة، ويصبح القرار بيد مرتزقة الخارج، تسقط النخبة، مهما كانت تدريباتها. وهذا ما حدث.
تؤكد الشهادات الميدانية أن النخبة في صفوف الدعم السريع قد تم استنزافها بالكامل، وقُضي على أغلب عناصرها، بمن فيهم القيادات الذين شكلوا نواة القوة خلال السنوات السابقة.
من بقي في الميدان؟
من يقاتل اليوم في صفوف المليشيا ليسوا سوى مرتزقة أجانب، ومجندين تم استنفارهم في ظروف ارتجالية، دون أدنى مستوى من التدريب العسكري أو الخبرة الميدانية. هؤلاء لا يعرفون تضاريس المعركة، ولا يجيدون التنسيق، بل يعتمدون على تكتيكات الكرّ العشوائي، والتي أثبتت فشلها الذريع أمام هندسة العمليات التي يقودها الجيش.
ولعل أبرز تجليات هذا الانهيار الكامل هو ما بات يُعرف بظاهرة “العريد”، وهي السلوك الانفعالي المرتبك الذي انتشر في صفوف المليشيا، من الهروب الجماعي، إلى إطلاق النار بشكل هستيري، إلى الترويج المفرط لانتصارات وهمية على وسائل التواصل.
خاتمة: المعركة مستمرة… ولكن بلا خصم متماسك
من الواضح أن المليشيا فقدت عمودها الفقري، ولم يتبقَ لها في الميدان سوى بقايا مقاتلين يفتقرون للعقيدة والانضباط والخبرة. وهو ما يجعل كل جولة قادمة من المعارك، ليست مجرد تقدم للقوات المسلحة، بل عملية تنظيف لفراغ صنعه انهيار العدو.
إننا اليوم أمام تحوّل استراتيجي في الحرب. لم تعد المعركة بين جيشين، بل بين مؤسسة عسكرية محترفة وبقايا مليشيا تحتمي بالمرتزقة وتعيش على التمويل الخارجي وتكتيك الفوضى.