أمهات كتم تحت الخوف.. أيمن شرارة يطرح أسئلة صعبة عن وجود المسلحين بين النساء والأطفال
أمهات كتم تحت الخوف بسبب الانتشار المسلح داخل الفرقان
انتشار مسلح داخل الفرقان يثير مخاوف الأسر.. وأمهات مقاتلين في كردفان يواجهن واقعاً قاسياً خلف خطوط المعارك
متابعات – عاجل نيوز
كتب – أيمن شرارة
ليست الحرب دائماً أصوات الرصاص والانفجارات، فهناك وجه آخر للصراع يظهر عندما تدخل البنادق والعربات المسلحة إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس، وتصبح الخيام والبيوت نفسها جزءاً من المشهد العسكري.
في كتم والقبة ودامرة الشيخ والمناطق المحيطة بها، تتحدث إفادات متداولة عن وجود عسكري كثيف داخل الفرقان لأكثر من عشرين يوماً، تقوده قوات مرتبطة بالقيادي عيسى آدم غباشي، وسط حديث عن تحركات بأعداد كبيرة من العربات المسلحة وإجراء عمليات تفتيش داخل مناطق مأهولة بالسكان.
وتقول الرواية المتداولة إن القوة تتحرك بأكثر من مئة عربة قتالية تحمل أسلحة ومدافع ثقيلة، وتنفذ عمليات تفتيش في عدد من الفرقان، الأمر الذي وضع الأسر، خصوصاً النساء والأطفال، أمام حالة مستمرة من الخوف والقلق.
ولا تبدو المشكلة بالنسبة للأهالي مرتبطة بمجرد وجود قوة عسكرية في المنطقة، وإنما بما يعنيه ذلك عندما يصبح الانتشار العسكري ملاصقاً لمساكن الأسر وخيامها، ويستمر لأسابيع، من دون أن تعرف العائلات متى ينتهي هذا الوضع أو كيف ستعود حياتها إلى طبيعتها.
وتشير الإفادات التي يستند إليها هذا التقرير إلى أن النساء يعشن حالة من التوتر المستمر، فيما يواجه الأطفال اضطراباً في النوم والحياة اليومية، نتيجة مشاهد العربات المسلحة وحركة الجنود بالقرب من أماكن إقامتهم.
والأكثر حساسية في الرواية المتداولة هو الحديث عن دخول مسلحين إلى خيام النساء أثناء عمليات التفتيش، وهي واقعة تحتاج إلى توثيق مستقل قبل الجزم بتفاصيلها، لكنها في حال ثبوتها تفتح سؤالاً أكبر يتعلق بحرمة المساكن وخصوصية النساء وضرورة مراعاة المدنيين أثناء أي عمليات أمنية.
وهنا تتجاوز القضية حدود الخلاف العسكري والسياسي، لتصل إلى سؤال بسيط: ماذا يحدث للمدني الذي يجد نفسه محاصراً بين طرفي الحرب، ولا يملك وسيلة لحماية منزله أو أسرته؟
المفارقة التي يضعها التقرير أمام القارئ أكثر قسوة. ففي الوقت الذي يعيش فيه أبناء تلك الأسر في جبهات القتال بكردفان، بين من قُتل ومن أُسر ومن انقطعت أخباره، تبقى أمهاتهم في القرى والفرقان تحت وطأة الخوف من وجود السلاح بالقرب منهن.
إنها صورة مؤلمة للحرب؛ شاب في مقتبل العمر يُدفع إلى الجبهة، وأم تبقى خلفه تنتظر خبراً عنه، ثم تجد نفسها هي الأخرى غير قادرة على الشعور بالأمان داخل المكان الذي يفترض أن يكون ملاذها الأخير.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه أيمن شرارة في جوهر هذه الرواية: إذا كانت القضية التي يُقاتل من أجلها أبناؤهم يفترض أن تكون مرتبطة بحماية الأرض والإنسان والكرامة، فكيف يمكن أن تقبل الأسر بأن تتحول مناطقها السكنية إلى مواقع انتشار عسكري دائم؟
القضية ليست في رفض الأمن أو حماية المناطق من التهديدات، فالمجتمعات التي تعيش وسط الحرب تحتاج إلى الأمن أكثر من أي وقت مضى. لكن الأمن الذي لا يضع المدنيين في مقدمة أولوياته يمكن أن يتحول، في نظر السكان، إلى مصدر جديد للخوف.
كما أن أي عملية تفتيش داخل المناطق السكنية تحتاج إلى ضوابط واضحة تحفظ كرامة المواطنين، وتحمي النساء والأطفال، وتمنع تحويل الخيام والمنازل إلى أماكن مفتوحة للانتهاك أو الاستفزاز.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في دارفور، حيث أدت سنوات الحرب إلى تفكك كثير من مظاهر الحياة الطبيعية، وأصبح المدنيون يدفعون أثماناً باهظة نتيجة الصراع بين القوى المسلحة.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً ليس فقط: من يسيطر على هذه المنطقة أو تلك؟ بل أيضاً: كيف يعيش الناس تحت هذه السيطرة؟ .
وهل تستطيع الأم أن تنام مطمئنة؟ وهل يستطيع الطفل أن يعيش طفولته بعيداً عن أصوات السلاح؟ وهل تستطيع الأسرة أن تشعر بأن خيمتها وبيتها مساحة لا يجوز اقتحامها إلا وفق ضوابط واضحة؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات، وإنما إلى إجابات من الواقع.
فالأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن من جبهات كردفان يحتجن إلى الأمان، والأطفال الذين عاشوا سنوات الحرب يحتاجون إلى بيئة خالية من مشاهد السلاح قدر الإمكان، والقرى والفرقان تحتاج إلى أن تستعيد شيئاً من حياتها الطبيعية.
أما استمرار الوجود المسلح وسط المساكن، إذا صحت الإفادات المتداولة، فيحتاج إلى مراجعة عاجلة من الجهات المسيطرة على الأرض، ليس فقط من أجل السكان، وإنما أيضاً من أجل منع اتساع الفجوة بين القوة العسكرية والمجتمع المحلي.
فالحرب مهما طال أمدها لا ينبغي أن تجعل المدنيين يدفعون ثمنها داخل بيوتهم، ولا أن تصبح الأم التي تنتظر ابنها من الجبهة خائفة من المشهد الذي تجده أمام خيمتها.
وفي النهاية يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى تستمر حياة الأسر بين الخوف والانتظار، بينما يُدفع أبناؤها إلى ساحات القتال باسم قضايا يفترض أن يكون الإنسان وكرامته وأمن أسرته في مقدمة أهدافها؟