عاجل نيوز
عاجل نيوز

سور بالمليارات لا يصمد أمام الرياح وعربة لم تتحرك.. ماذا يحدث خلف أسوار مطار الخرطوم؟

مطار الخرطوم.. سور ينهار فوق عربة لم تدخل الخدمة وأسئلة عن التعاقد والاستلام

 

سور ينهار فوق عربة لم تدخل الخدمة.. وأسئلة عن التعاقد والتنفيذ والاستلام والصرف تفتح ملفاً واسعاً

 

متابعات – عاجل نيوز

مصطفي سليمان

في مطار الخرطوم، لا تبدأ الحكاية هذه المرة من برج المراقبة أو صالات السفر أو حركة الطائرات، وإنما من الأرض نفسها؛ من سور يفترض أن يبقى ثابتاً، وعربة يفترض أن تتحرك على المدرج، لكن المفارقة أن السور انهار، بينما العربة التي سقط فوقها لم تتحرك، وفق المعلومات المتاحة.

وبحسب المعلومات التي وردت إلينا، فقد انهار جزء من سور داخل مطار الخرطوم خلال تعرض المنطقة للرياح، وسقط فوق عربة مخصصة لإزالة المطاط من مدرج المطار، في واقعة تطرح أسئلة تتجاوز لحظة الانهيار نفسها إلى الطريقة التي أُدير بها المشروع منذ التعاقد وحتى التنفيذ والاستلام.

وتزداد أهمية الواقعة إذا صحت المعلومات التي تفيد بأن العربة المتضررة لم تدخل الخدمة منذ شرائها، وهو ما يضع ملف المعدات إلى جانب ملف السور في دائرة الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات موثقة من الجهات المسؤولة.

القصة، في ظاهرها، قد تبدو حادثة إنشائية عابرة، لكن تفاصيلها تفتح باباً أوسع يتعلق بإدارة المال العام والمشروعات والمشتريات داخل مرفق حيوي مثل مطار الخرطوم، حيث يفترض أن تكون معايير السلامة والجودة والانضباط الإداري والفني حاضرة في كل مرحلة.

وتشير معلومات وردت إلينا إلى أن منفذ أعمال السور أنهى إحدى مراحل المشروع وطالب بصرف مستحقاته، قبل أن تظهر مسألة المستندات المطلوبة لإكمال إجراءات الدفع، ومن بينها الفاتورة والرقم الضريبي.

وبحسب المعلومات نفسها، لم يكن لدى منفذ العمل فاتورة ضريبية أو رقم ضريبي، الأمر الذي يطرح سؤالاً إدارياً أساسياً: هل كانت المتطلبات القانونية والضريبية مستوفاة منذ لحظة التعاقد، أم أن هذه المتطلبات ظهرت عند الوصول إلى مرحلة الصرف؟

السؤال هنا لا يمثل اتهاماً للمنفذ أو لأي جهة، لكنه يتعلق بسلامة الإجراءات نفسها؛ فإذا كانت المستندات المطلوبة للصرف شرطاً أساسياً، فكيف تمت عملية التعاقد والتنفيذ قبل الوصول إلى هذه المرحلة؟

وتزداد الأسئلة أهمية مع ما أُفيد به من أن معالجة مشكلة الفاتورة انتهت إلى الاستعانة بطرف آخر لإصدار فاتورة، قبل أن يصدر الشيك باسمه.

وهنا تحديداً تصبح المستندات هي الفيصل، لا الروايات المتداولة.

هل الطرف الذي صدرت باسمه الفاتورة هو نفسه الذي نفذ الأعمال؟

وإذا كان هو المنفذ فعلاً، فأين العقد ومحاضر التنفيذ والاستلام وشهادة الإنجاز التي تثبت ذلك؟

وإذا لم يكن هو المنفذ، فما طبيعة العلاقة بين الطرف الذي نفذ الأعمال فعلياً والطرف الذي صدر الشيك باسمه؟

ومن اعتمد الفاتورة؟ ومن أجاز الصرف؟ وعلى أي مستندات استندت إجراءات الدفع؟

هذه الأسئلة لا تثبت وحدها وجود مخالفة مالية أو إدارية، لكنها تظل أسئلة مشروعة يمكن حسمها بسهولة من خلال مراجعة ملف المشروع كاملاً، لأن أي عملية إنفاق على مشروع يفترض أن تترك وراءها سلسلة واضحة من المستندات تبدأ بالتعاقد ولا تنتهي إلا بالاستلام والصرف.

المسار الطبيعي لأي مشروع يجب أن يكون واضحاً: تعاقد، ثم تنفيذ، ثم فحص، ثم استلام، ثم اعتماد، ثم صرف.

وعندما تصبح إحدى حلقات هذه السلسلة غير واضحة، فإن المراجعة تصبح ضرورة لحماية المال العام وضمان سلامة الإجراءات، وليس حكماً مسبقاً على أي طرف.

لكن حتى لو أثبتت المستندات أن الإجراءات المالية والإدارية تمت بصورة سليمة، فإن انهيار السور نفسه يبقى بحاجة إلى إجابة فنية.

السور الذي يُقال إن تكلفته تقدر بالمليارات لم يكن يفترض أن يكون مجرد منشأة مؤقتة؛ ولذلك فإن انهياره بفعل الرياح، إن ثبت أن الرياح هي السبب المباشر، يستدعي معرفة ما إذا كان التصميم والتنفيذ قد راعيا الأحمال والظروف البيئية للموقع.

هل نُفذت الأعمال وفق المواصفات المعتمدة؟

هل خضعت المواد المستخدمة للفحص؟

هل أجريت اختبارات الجودة المطلوبة؟

هل يوجد محضر استلام فني ونهائي؟

وهل تمت معاينة موقع الانهيار بواسطة جهة هندسية مختصة لتحديد السبب بدقة؟

فهذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال صور الانهيار وحدها، كما لا يمكن تحميل جهة بعينها مسؤولية ما حدث قبل ظهور تقرير فني يحدد طبيعة الخلل، إن كان هناك خلل أصلاً.

ويبقى السؤال المالي حاضراً أيضاً: إذا أثبت التقرير الفني وجود عيب في التصميم أو التنفيذ، فمن يتحمل تكلفة الإصلاح وإعادة بناء الجزء المنهار؟ وهل توجد ضمانات تعاقدية تلزم المنفذ بمعالجة العيوب التي تظهر خلال فترة الضمان؟

ثم تأتي المفارقة الثانية التي تجعل الواقعة أكثر إثارة للاهتمام.

العربة التي سقط عليها السور ليست عربة عادية، وإنما معدات مخصصة لإزالة المطاط من مدرج المطار، وهي مهمة ترتبط مباشرة بسلامة التشغيل وتجهيز المدرجات.

وبحسب المعلومات المتاحة، فإن العربة لم تدخل الخدمة منذ شرائها.

وهنا يفتح ملف آخر لا يقل أهمية عن ملف السور.

لماذا بقيت العربة خارج الخدمة؟

هل تم استلامها وفق المواصفات التي أبرمت على أساسها عملية الشراء؟

هل خضعت للفحص والتجربة قبل الاستلام؟

هل كانت جاهزة للعمل فعلياً عند وصولها؟

هل تلقت الأطقم المختصة التدريب اللازم على تشغيلها؟

وهل تتوفر قطع الغيار وبرامج الصيانة اللازمة لها؟

وإذا كانت العربة صالحة للعمل، فما الذي حال دون إدخالها الخدمة طوال الفترة الماضية؟

أما إذا كانت غير صالحة للتشغيل، فكيف جرى استلامها من الأساس؟

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى بيانات سياسية ولا إلى روايات متعارضة؛ تحتاج إلى ملف شراء العربة، ومحاضر الفحص، ومحضر الاستلام، وتقارير التشغيل والصيانة.

وهنا تكمن أهمية الواقعة داخل مطار الخرطوم تحديداً، لأن المطار ليس مشروعاً عادياً يمكن التعامل مع منشآته ومعداته بمنطق التجربة والخطأ. كل منشأة ومعدة داخله ترتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمعايير السلامة والاستعداد التشغيلي.

ومن ثم فإن المطلوب ليس توجيه اتهام جاهز، ولا البحث عن مسؤول قبل اكتمال المعلومات، وإنما فتح مراجعة مهنية وشفافة للواقعة، تبدأ من العقود ولا تنتهي عند موقع الانهيار.

العقد يجب أن يكون حاضراً.

الفاتورة والرقم الضريبي يجب أن يكونا حاضرين.

محاضر التنفيذ والاستلام وشهادة الإنجاز يجب أن تكون حاضرة.

الشيك يجب أن يكون واضحاً.

وملف شراء العربة ومحاضر فحصها واستلامها وتشغيلها وصيانتها يجب أن تكون متاحة للمراجعة.

وفوق ذلك كله، يجب أن يكون هناك تقرير هندسي مستقل يحدد أسباب انهيار السور، حتى لا تتحول واقعة فنية إلى اتهامات متبادلة أو تفسيرات لا تستند إلى أدلة.

إذا كانت الإجراءات سليمة، فالمستندات قادرة على إثبات ذلك.

وإذا كان التنفيذ مطابقاً للمواصفات، فالتقرير الفني قادر على تأكيده.

وإذا كانت العربة صالحة للتشغيل، فإن سجلاتها قادرة على توضيح سبب بقائها خارج الخدمة.

أما إذا كشفت المراجعة عن خلل إداري أو مالي أو فني، فالمستندات نفسها يجب أن تقود إلى تحديد المسؤولية وفق القانون.

في النهاية، تختصر المفارقة كل الحكاية في مشهد واحد:

عربة كان يفترض أن تتحرك على مدرج مطار الخرطوم لإزالة المطاط لم تتحرك منذ شرائها، وسور كان يفترض أن يبقى ثابتاً هو الذي تحرك وسقط.

وهنا لا يعود السؤال مجرد: لماذا انهار السور؟

ولا فقط: لماذا لم تتحرك العربة؟

السؤال الأكبر هو: ماذا يحدث خلف أسوار مطار الخرطوم؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.