ذاكرتنا ليست ذاكرة سمكة.. رشان أوشي تستعيد مواقف خالد سلك من «الهبوط الناعم»
مقال رشان أوشي عن خالد سلك والتسوية السياسية والهبوط الناعم
كاتبة سودانية تستعيد مواقف مرحلة ما بعد سقوط البشير وتطرح أسئلة حول مفهوم التسوية السياسية وشراكة القوى المدنية مع العسكريين
متابعات – عاجل نيوز
أعادت الكاتبة السودانية رشان أوشي فتح ملف قديم من ملفات المشهد السياسي السوداني، عبر مقال تناولت فيه مواقف القيادي خالد سلك من التسوية السياسية خلال المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس عمر البشير.
واختارت أوشي لمقالها عنوان «ذاكرتنا ليست ذاكرة سمكة»، في إشارة إلى ما تعتبره ضرورة استحضار المواقف السياسية السابقة عند تقييم مواقف الشخصيات والقوى السياسية في الحاضر.
وركزت الكاتبة على ما وصفته بمشروع «الهبوط الناعم»، معتبرة أن خالد سلك كان من أبرز الداعمين لذلك الاتجاه السياسي، الذي قام، بحسب طرحها، على فكرة التفاوض والتسوية بدلاً من القطيعة الكاملة مع مكونات النظام السابق.
وتقول أوشي إن هذا الطرح جاء في وقت كانت فيه قطاعات واسعة من القوى السياسية السودانية ترفع شعارات التغيير وتطالب بإحداث تحول جذري بعد سقوط البشير، وهو ما جعل قضية التسوية وشكل العلاقة مع المؤسسة العسكرية من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الفترة الانتقالية.
ويستند الجدل الذي تستعيده الكاتبة إلى سياق سياسي شهد بالفعل نقاشاً واسعاً حول طبيعة الشراكة بين المكونين المدني والعسكري، خصوصاً بعد توقيع الوثيقة الدستورية وتشكيل مؤسسات الفترة الانتقالية.
وكانت مواقف خالد سلك خلال تلك المرحلة جزءاً من نقاش أوسع داخل قوى الحرية والتغيير حول كيفية إدارة المرحلة الانتقالية والعلاقة مع المؤسسة العسكرية.
وتظهر مصادر سياسية من تلك الفترة تصريحات نُسبت إليه تحدث فيها عن المؤسسة العسكرية باعتبارها شريكاً في الانتقال، وهو موقف أثار في حينه نقاشاً داخل القوى السياسية بشأن حدود الشراكة وأهداف الثورة.
وتعود رشان أوشي في مقالها إلى هذه المرحلة لتطرح سؤالاً يتعلق بمدى اتساق المواقف السياسية الحالية مع المواقف السابقة، معتبرة أن تقييم الشخصيات السياسية لا ينبغي أن ينفصل عن سجل مواقفها خلال السنوات الماضية.
وتحمل عبارة «ذاكرتنا ليست ذاكرة سمكة» جوهر الرسالة التي أرادت الكاتبة إيصالها، إذ تدعو، من خلال المقال، إلى عدم تجاوز المواقف السابقة عند قراءة الخلافات السياسية الراهنة.
وتبقى قضية «الهبوط الناعم» نفسها واحدة من المصطلحات التي ارتبطت بالجدل السياسي السوداني خلال المرحلة الانتقالية، حيث استخدمها منتقدون لوصف مسار سياسي رأوا أنه أبقى على قدر من الاستمرارية مع مؤسسات ومكونات النظام السابق، بينما رأى مؤيدو التسوية أن التفاوض والشراكة كانا جزءاً من ترتيبات الانتقال السياسي الممكنة في ذلك الوقت.
ومن هنا يفتح مقال رشان أوشي الباب أمام نقاش أوسع حول المسؤولية السياسية، وحدود التسويات، ومدى تأثير القرارات التي اتخذتها القوى السياسية خلال المرحلة الانتقالية على مسار الأحداث اللاحقة.
ولا يقدم المقال، في حد ذاته، حكماً نهائياً على مجمل تجربة خالد سلك السياسية، وإنما يعرض قراءة نقدية من الكاتبة لمواقف محددة، ويضعها في مواجهة ما تراه من اختلاف بين خطاب تلك المرحلة والخطابات السياسية اللاحقة.
وتظل تجربة الانتقال السوداني بعد سقوط البشير واحدة من أكثر المراحل السياسية تعقيداً، خصوصاً مع تعدد مراكز القرار وتباين مواقف القوى المدنية والعسكرية، قبل أن تدخل البلاد لاحقاً في مسار الحرب الذي غيّر شكل المشهد السياسي بصورة كبيرة.
وبينما تستمر الخلافات حول تقييم تلك المرحلة، تعيد أوشي طرح سؤال الذاكرة السياسية: هل يمكن فصل المواقف الحالية عن القرارات والتحالفات التي سبقتها؟
ذلك هو السؤال الذي يضعه المقال أمام المتابعين، في وقت لا تزال فيه مواقف القوى والشخصيات السياسية من التسوية والشراكة والانتقال المدني محل نقاش واسع في السودان.