عاجل نيوز
في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد، لم تعد معركة الكرامة مقتصرة على ميادين القتال، بل امتدت إلى ساحة لا تقل خطورة وأهمية: ميدان الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. وقد بات جلياً، من خلال تصريحات القيادة العليا للدولة – ممثلة في الفريق أول عبد الفتاح البرهان والسيد مالك عقار – أن مكافحة الفساد لم تعد ترفاً سياسياً أو شعاراً خطابياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية توازي في أهميتها ومصيريتها الجهد العسكري.
فالفساد، كما أكد القادة، ليس مجرد خلل إداري، بل معول هدم داخلي يهدد كيان الدولة، ويقوّض ثقة المواطن بمؤسساتها، ويشل قدرة الإدارة العامة على القيام بمهامها. ومن هذا المنطلق، فإن النصر الحقيقي في معركة الكرامة لن يكتمل دون استعادة منظومة القيم الوطنية في العمل العام، وتأسيس الدولة على قاعدة المحاسبة الشاملة التي لا تستثني أحداً، مهما علا شأنه أو تعاظم نفوذه.
ومواجهة الفساد تتطلب أكثر من النوايا الطيبة والخطابات الحماسية؛ فهي بحاجة إلى إرادة سياسية حازمة، وتشريعات صارمة تُطبق بعدالة، وأجهزة رقابية مستقلة وفعالة تمارس عملها دون تدخل أو تسييس. كما أن إصلاح الدولة لا يتم عبر إجراءات رمزية، بل عبر رؤية شاملة لإعادة بناء الهيكل الإداري والمالي، وتحديث آليات اتخاذ القرار، وربط الأداء بقيم النزاهة والمسؤولية.
لسنا هنا لفضح الفساد بقدر ما نسعى لغرس بذور اقتلاعه. وهذه مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق فرد أو مؤسسة بعينها، بل تشمل الدولة والمجتمع معاً. ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في التصدي للفساد، وتبني نماذجها الناجحة. وفي هذا السياق، نقترح إنشاء هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، تتمتع بصلاحيات واسعة لملاحقة قضايا المال العام، وتكون محصنة من التدخل السياسي، ومدعومة بكفاءات متخصصة وأدوات تقنية وقانونية حديثة، تضمن عملها بشفافية واحتراف.
ومع انطلاق جهود إعادة الإعمار، تتزايد الحاجة إلى ضبط مسار المال العام وتوجيهه نحو مشروعات تنموية تستجيب لأولويات المواطنين، وتُحقق العدالة في التوزيع والإنفاق. فلا تنمية حقيقية يمكن أن تُبنى على أرض ينخرها الفساد أو تفتقر للشفافية. ولهذا، فإن نجاح أي خطة تنموية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود نظام رقابي مستقل لا يعرف المحاباة، ويعتمد الكفاءة والنزاهة أساساً وحيداً للعمل.
الرقابة المالية والإدارية ليست أداة للانتقام أو تصفية الحسابات، بل صمّام أمان يحمي الدولة من الانهيار، ويعيد لها هيبتها ومكانتها. وينبغي أن تقوم هذه الرقابة على أسس الاستقلالية والتجرد، وأن تُمنح الصلاحيات الكافية لكشف التجاوزات ومحاسبة المتورطين. كما أن تعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة بين المسؤولين والمواطنين يُعد الضمان الأهم لاستدامة الحكم الرشيد.
إن معركة الكرامة الوطنية، بما تحمله من تضحيات، لن تُستكمل إلا ببناء دولة حديثة تحترم سيادة القانون، وتُعلي من شأن النزاهة والكفاءة. فالعدالة في إدارة الموارد، والحزم في مكافحة الفساد، هما خط الدفاع الداخلي الأقوى لأي أمة. وبناء مستقبل مستقر ومزدهر يتطلب التقاء قوة الدولة العسكرية بعدالتها المؤسسية، في إطار رؤية استراتيجية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.