البرهان في “الرتج”: حين تطغى بلاغة التصريحات على دلالات حقن الدماء
دلالات زيارة الرئيس البرهان لمنطقة الرتج الحدودية
د. إبراهيم الصديق: التغطيات الإعلامية أهدرت البعد الإنساني لزيارة نزع فتيل الفتنة القبلية
متابعات – عاجل نيوز
في قراءةٍ نقديةٍ لزيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى منطقة “الرتج” الحدودية النائية، سلط الكاتب د. إبراهيم الصديق علي الضوء على الفجوة الكبيرة بين الأهمية الاستراتيجية للزيارة وبين أسلوب التغطية الإخبارية التقليدي.
فقد انحصرت التغطية الرسمية في سرد التصريحات المكررة، متجاهلةً التفاصيل الجوهرية والقصص الإنسانية التي كانت ستمنح الزيارة معناها الحقيقي، وتحولها من مجرد “حدثٍ عابر” إلى لحظةٍ فارقةٍ في تاريخ المصالحة الوطنية.
قارن الكاتب بين جفاف التغطية السياسية وبين بلاغة “قصة الماسورة الأممية” في منطقةٍ مشابهة، حيث تحكي قطرات الماء روايةً متكاملةً عن تحسن الصحة، وجودة التعليم، واستقرار الأسرة، بدلاً من سرد الخطابات.
وأكد د. الصديق أن منطقة “الرتج”، التي كادت أن تكون شرارةً لفتنةٍ عاصفةٍ بين قبيلتي البشاريين العالياب والرشايدة، كانت تستحق تغطيةً تبرز ملامح الحشود البشرية التي تحولت من حافة الاقتتال إلى هتافات السلام، تلك الصور التي تحمل في طياتها قيمة “حقن الدماء” التي تفوق في ثقلها أطنان التصريحات.
شدد التقرير على أن المناطق الحدودية النائية تعاني من غياب الدولة في مواجهة الأزمات، مشيراً إلى انشغال الحكومة المركزية بملفاتٍ ثانويةٍ عن قضايا التماس التي تهدد الاستقرار الوطني.
إن الزيارة في جوهرها كانت رسالة سيادةٍ ضد الفوضى، وتأكيداً على أن الحوار السوداني-السوداني يبدأ من خيام القبائل في عمق الصحراء، لا من قاعات الفنادق الفارهة.
وكان حرياً بالإعلام أن يفتح كادر الكاميرا قليلاً ليرصد “لمعان الفرح” في عيون المواطنين، أو يلتقط كلمات الشكر التي تتردد على ألسنة من كانوا بالأمس أعداء.
ختاماً، دعا الكاتب إلى ضرورة الارتقاء بالفن المهني للتغطيات الإعلامية، محذراً من أن هدر الصور الإنسانية خلف لهاث الأقوال يقتل جوهر العمل الصحفي.
إن قيمة الخبر تكمن في قدرته على عكس تفاصيل الواقع ومعاناة المواطن، لا في تكرار عباراتٍ روتينية لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
لقد كان بإمكان الإعلام أن يجعل من زيارة “الرتج” وثيقةً حيةً عن عودة الدولة، لكنه آثر الاكتفاء بالهيكل، تاركاً الروح التي تجعل من الخبر تاريخاً يُقرأ ويُحفظ.