شمال الجزيرة في حرب السودان ( 15 أبريل 2023 – ؟؟؟) | من اللعوتة الي نيويورك | (الدخلت فينا ما بتمرق تاني … فأنا الآن غيري) 2_3
عاجل نيوز
دكتور عبداللطيف البوني
لا تقرأوا هذا المقال فقط، بل احتفظوا به للتاريخ.
5
في تفصيل لما ذكرنا في الفقرة السابقة وباختصار شديد نأخذ تجربة قرية اللعوتة فهذه القرية يبلغ عدد سكانها حوالى 25 الفا تقريبا وزاد بعد النزوح الذي أحدثته الحرب الي ثلاثين ألف تقريبا.. وهي من القرى الكبيرة و المنتجة هذه القرية قابلت العدوان بكل ضروب المقاومة الأولية من رفض وممانعة ومصانعة ومسايسة وقدمت خمسة شهداء أربعة خارج القرية وواحد داخلها.
وغادر نفر قليل منها إلى خارج السودان بعد سقوط مدني كما شهدت استقرارا نسيبا في معظم عام 2024 لكنه كان استقرارا مشوبا بالحذر جرت تحته تفاعلات أدت إلى غزوها في 24 نوفمبر 2024 بمتحرك قتالي كامل قوامه عشرات العربات المقاتلة ومئات المواتر يقدر بثلاثة آلاف محارب فشرد كل أهلها وارتقى فيها ٢٥ شهيدا رميا بالرصاص وأكثر من هذا العدد
أثناء عمليات النزوح ونهبت كل ممتلكات الأهالي من العربات إلى الملايات مرورا بالأدوات الكهربائية والمحاصيل والأنعام – جار الآن حصر الخسائر بواسطة مختص من أبناء القرية – والتي تصل إلى ترليونات أي عشرات الملايين من الدولارات واستمر الاجتياح لمدة 18 يوما (تفرزع)) السكان فيها في الخلاء أي الحواشات المحيطة بالقرية ثم استجاروا بالقرى المجاورة والواقعة تحت سيطرة ذات الدعامة (الدعامة هو الاسم السائر في المنطقة لأفراد الدعم السريع)
بما فيها الكنابي وقد استقبلوا استقبالا يفوق حد الوصف وبعد أن تمت عملية النهب التام للقرية (الشفشفة) عاد الأهالي للتمسك بجدران بيوتهم الخالية حتى من (الكدايس) وكانت كل البنى التحتية من مواسير مياه ومحولات كهرباء وأبراج اتصالات قد حطمت ونهبت كل أدوات الطاقة الشمسية وشبكات الاستارلينك التي أشتريت من ذات أفراد الدعم. والحال كذلك نزح حوالى ثلثي سكان القرية إلى ولايات السودان الاخرى.
كانت عمليات النزوح هذه عالية المخاطر غالية التكلفة لأنها بواسطة الدعامة الذين احتكروا قطاعي النقل والتجارة وللمفارقة ان العربات والبضائع قد تمت شفشفتها من ذات المواطنين (فالدعامة اتقنوا آليات الاحتلال دون تخطيط منهم!!! ) نزحوا من أجل الأمن وبعضهم من أجل التعليم والعلاج وبعض الشباب للعمل إذ طالت بهم العطالة..
بقى الثلث الآخر من السكان يقاوم ويحاول إعادة الأعمار وانتهت المقاومة الأولية بإعادة سيطرة القوات المسلحة على المنطقة ساعة كتابة هذا المقال تم تحرير معظم الجزيرة واصبحت القوات المسلحة على تخوم حدود الخرطوم الجنوبية.. النازحون من القرية لم يقيموا في دور إيواء أو معسكرات نازحين إنما استأجروا منازلا وصرفوا على أنفسهم من حر مال أبنائهم المغتربين. المغتربون وأبناء القرية المقتدرين هم الذين (شالوا الشيلة) في كل مراحل نكبة القرية.
6
قصدنا من الفقرة أعلاه القول بأنه يجب عدم السقوط في مستنقع التعميم فلكل منطقة تجربة في الحرب ولها تفاصيل مختلفة لذلك لابد من تجميعها كلها وربطها بما يدور علي المستوى القومي والاقليمي والدولي ومن الخيوط التي يمكن تتبعها لهذا الربط المال السياسي وما أدراك ما المال السياسي فهو يربط بين من يرتدي أشيك بدلة في العالم وآخر يمشي (ملط) لم تعرف الملابس إليه سبيلا لن يلتقيا ولكنهما مسخران لهدف واحد يبتغيه دافع المال ومثال آخر للربط ففي ذات اللعوتة كانت المعاملة بين الجاني والمجني عليه تتأثر بما يجري بعيدا عن القرية
فمثلا موقف الحكومة الرافض لمفاوضات جنيف انعكس على القرية بالمزيد من العنف والتنكيل علما إن قرار المفاوضات كان قرارا أمريكيا بدعم إقليمي والرفض كان قرارا حكوميا سودانيا هكذا دفع مواطن القرية الغلبان ثمن َموقف سياسي تبلور في عواصم بينه وبينها بيداء دونها بيد على قول المتنبي. الرصاصة التي سقت أرض اللعوتة من دم الشهيد مهند عمر يوسف في 25 ديسمبر 2023وهو أول الشهداء داخل القرية إلى الرصاصة التي أودت بحياة الشهيد بابكر محمد علي ابراهيم في الأسبوع الأخير من يناير 2025 وهو آخر شهيد في القرية
وما بين هذين الشابين النضرين من كوكبة شهداء أيام الاجتياح هذه الرصاصة كانت تحملها يد ليس لها معرفة بصناعتها وكان يطلقها عقل مغيب ولسان ينطق بكلمات لا يعرف معناها فالجاني رغم أنه مسؤول جنائيا هو الآخر ضحية لأنه نفذ ما كان يدور في فنادق (مدن بعيدة تنوم وتصحى على مخدات الطرب) كما غنى حمد الريح في الساقية (رحم الله حمد فهو من سعداء السودان لأنه رحل قبل 15 أبريل 2034) .. فالعالم أصبح قرية ليس في الإعلام و(الهيشك بيشك) إنما أيضا في الموت والدمار>
7
على المؤسسات الأكاديمية والصحفية وكل الجهات المهتمة بالمعرفة واجب القيام بالدراسات المعمقة لهذه الحرب ومنذ يومها الأول وذلك بتجميع كل التفاصيل وفي كآفة بقاع السودان وربطها بمسبباتها على كافة الصعد الدولية والإقليمية.. ففي هذه المرحلة يجب القيام بعملية الرصد والمتابعة لكل يوميات الحرب ثم يأتي بعد ذلك التحليل والاستنتاج وبالتالي استخراج الدروس والعبر.. والان مع إتساع المعرفة وتطور التقانة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي يجب أن يقوم أهل السودان المعاصرين بكتابة تاريخ هذه الفترة بأنفسهم ولا يتركوه لذوي الأجندات لكي يكيفوه على هواهم.
إن ما يجري الآن في بلادنا ناتج جزئيا من الغش والتزوير الذي حدث في تاريخنا.. إن الذين أرخوا للسودان الحديث من أمثال ماكمايكل وترمنغهام وهولت ونعوم شقير وكل المؤرخين السودانيين كتر خيرهم ما قصروا وان كان فيهم من صور لنا فترات مظلمة من تاريخ السودان بأنها كانت مشرقة.. ولكن نكبة السودان الحالية يجب أن يؤرخ لها أي سوداني
عايش هذه الأحداث فهو جبرتي قائم بذاته (المؤرخ المصري الجبرتي هو الذي قام برصد يوميات حملة نابليون في مصر) يجب الإسراع بالتوثيق لأن كل الشهود حاضرين الآن ومن رأى ليس كمن سمع فليس هناك مجالا للتزوير والتدليس فلا تضيعوا هذه الفرصة ويجب أن نتخذ منهجا علميا في الرصد والمتابعة وذلك بإنشاء قواعد بيانات فرعية لتصب في قاعدة بيانات عامة وعدم تجاهل ما كابده المواطن العادي في هذه الحرب.
إن جمع المفرق من مشروعيات البحث العلمي فالتاريخ الحقيقي ليس تاريخ القادة ومتخذي القرار وحدهم إنما هو أيضا تاريخ من وقع عليه فعل الفاعل فالشاعر الألماني ذائع الصيت بيرخت يقول (مدينة طيبة ذات الأبواب السبع .. من الذي انشأها؟ هل حمل الملوك كتل صخرها.؟. ..) إن ما حدث لنا من كارثة لم تهبط من السماء إنما خرجت من غفلتنا وجهلنا هذا له ثلاثة مكونات محلي وإقليمي ودولي