فصولاً من الوجع والفقد في رحلة الدفاع عن الأرض | عشرون عاماً ومئة خندق شهادة من قلب المعارك
قراءة في مقال عشرون عاماً ومئة خندق للمجاهد عباس خالد عباس
المجاهد عباس خالد عباس يروي فصولاً من الوجع والفقد في رحلة الدفاع عن الأرض
متابعات – عاجل نيوز
المجاهد عباس خالد عباس
يخطئ من يرمق بنادقنا وثيابنا الملطخة بالدم، فيظن أننا عشاق حروب نهوى رائحة البارود، أو أننا هجرنا ديارنا طواعية لنبحث عن الموت.
الحقيقة أنني لم أبحث يوماً عن بندقية، ولم تستهوني لغة الرصاص، ولم أختر أن تُعجن سنواتي الأخيرة بالخوف والجوع والفقد.
هذه الكلمات الصادقة هي جوهر مقال “عشرون عاماً ومئة خندق” الذي خطه المجاهد عباس خالد عباس، معبراً عن مرارة قسرية فرضتها ظروف الحرب.
حين ارتجت الشوارع بهتافات الثورة، كان عباس طفلاً في الثانية عشرة يركض خلف الجموع دون إدراك لثقل المآلات. لكن حين بلغ السادسة عشرة واندلعت هذه الحرب القاسية، تبدل كل شيء.
رأى بأم عينه كيف استباحت قطعان المليشيا البيوت، وروعوا الآمنين وانتهكوا الأعراض، فسقطت أعذار القعود، ليجد الفتى الوديع نفسه مجبراً على حمل السلاح دفاعاً عن أهله وعرضه؛ فإما أن يدهس أو يدهس.
خرج عباس من بيته يحمل وصية أمه التي دفعته للذود عن الأرض، ليمضي إلى الخنادق تاركاً خلفه حياةً لن تعود. غادرت أمه الدنيا وهو غارق في غبار المدرعات، فلم يلقِ عليها النظرة الأخيرة ولم يمشِ في جنازتها.
وما أسنده في هذا الوجع إلا يقينه تحت أزيز الرصاص، أن أعلى منازل الجنان تُنال بتجرع مرارة الصبر على ما يمزق النفس البشرية.
في هذا الطريق الموحش، فقد عباس جميع أصدقائه الذين تقاسم معهم في الليالي الباردة آخر ما تبقى من صبر وومضات أمل. يصف بأسىً كيف كان يدفنهم بيده، .
ويقف أمام شواهد قبورهم بقلب يتقطع، مدركاً أن الموت واعظ لكل حي، وأن الود في خنادق الموت هو العملة الأكثر ندرة وقيمة.
هذا الفراغ الموحش أسقط بريق الدنيا من عينيه، وجعله يبصر الأشياء على حقيقتها المجردة. ولأننا نقاتل في زمن اختلطت فيه المفاهيم،.
أخذ عباس عهداً ألا يلوث يده أو بصيرته بمن يفسدون في الأرض، غاسلاً يده من التفاتات البشر، مستوحشاً لعداوة لا تضر، ولا مستريحاً لمودة زائفة، في رحلة بحث عن الحق في عالم يضج بالمتغيرات.
إن هذا النص يمثل وثيقة إنسانية تخرج من قلب الخندق، لتروي قصة جيل دفع ثمن الحرب من طفولته وأحلامه. يعكس المقال صورة صادقة للمجاهد الذي يقاتل لا حباً في الدماء،.
بل دفاعاً عن أمان لم يعد متاحاً، في مشهد يختزل معاناة السودانيين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الفقد وسندان الدفاع عن الوجود.