خلف أرقام النحاس.. كيف اشترت الصين “شهادة شرعية” من الخرطوم بصفقة رابحة؟
كاميرون هدسون يحلل صفقة النحاس بين الصين والسودان: "مغامرة ببكين وشهادة شرعية للجيش"
كاميرون هدسون يكشف لـ “المونيتور”: بكين تقتحم “المخاطر السودانية” بصفقة الـ 300 مليون.. والجيش يراهن على “الخدمات” لانتزاع الاعتراف الدولي
متابعات – عاجل نيوز
فيما يبدو للوهلة الأولى كصفقة تجارية عادية، يرى المحلل المتخصص في الشؤون الأفريقية والمسؤول السابق في الاستخبارات الأمريكية، كاميرون هدسون، أن وراء “منجم النحاس” في السودان أهدافاً تتجاوز القيمة المادية.
الصفقة التي تقضي بشطب ديون بقيمة 50 مليون دولار مقابل امتياز تعدين بقيمة 300 مليون دولار، ليست إلا “مغامرة محسوبة” تضع بكين في قلب المشهد السوداني المعقد.
يؤكد هدسون أن الربح المادي للصين هنا “خرافي”، لكنه يشدد على أن المكسب الأهم للخرطوم هو “الشرعية السياسية”.
ففي وقت تكافح فيه الحكومة التي تقودها القوات المسلحة لفرض حضورها كدولةٍ شرعية أمام المجتمع الدولي، يأتي الاستثمار الصيني بمثابة “شهادة ثقة” دولية، تُظهر للعالم وللشعب السوداني أن الخرطوم لا تزال عاصمةً قادرة على جذب الاستثمارات الاستراتيجية.
وما يثير الدهشة في تحليل هدسون هو قدرة بكين الفائقة على “تقبل المخاطر” التي يهرب منها المستثمرون الغربيون والخليجيون.
يقول هدسون: “الصين لا تسعى لتشكيل المآلات السياسية كما تفعل واشنطن أو عواصم الخليج، هي تأتي لتعقد صفقات وتصمت”. هذا النهج “التحفظي” هو ما يجعل بكين الشريك الأقل إثارة للجدل، والأكثر استعداداً للبقاء وسط النيران.
وعلى الرغم من المخاوف من تمويل الحرب، يستبعد هدسون أن يلعب النحاس دور “الذهب” في اقتصاد الحرب السوداني؛ فالنحاس -على عكس المعدن الأصفر- مرتبط بأسواق عالمية أكثر رسمية، مما يجعله “أداة تمويل معقدة” لا تخدم أجندة المليشيات بالسهولة التي يظنها البعض.
لكن التحدي الحقيقي للجيش، بحسب رؤية الخبير الاستخباراتي، يكمن في “سباق الخدمات”. فالقيادة في الخرطوم تدرك جيداً أنها لا تستطيع البقاء كـ “سلطة عسكرية” فحسب؛.
لذا فإنها تسعى عبر هذه الاتفاقيات إلى توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، في محاولة أخيرة لإثبات أن الدولة -بمؤسساتها الرسمية- هي المظلة الوحيدة الموثوقة لحياة السودانيين.
صفقة النحاس، إذن، ليست مجرد استخراج لمعدن من باطن الأرض، بل هي “خارطة طريق سياسية” تحاول الخرطوم عبرها كسر العزلة، بينما ترسم بكين لنفسها طريقاً جديداً للتواجد في مناطق النزاعات الأفريقية، بعيداً عن صخب المواقف السياسية، ومباشرةً نحو تأمين مصالحها الاستراتيجية.