عاجل نيوز
عاجل نيوز

استقرار السودان.. الورقة الأولى في أمن المنطقة

استقرار السودان وأمن مصر والسعودية

 

لماذا بات دعم الدولة السودانية مصلحة مباشرة لمصر والسعودية؟

متابعات – عاجل نيوز  ع

ادل الباز 

لم تعد الحرب في السودان مجرد أزمة داخلية مرتبطة بالصراع على السلطة، بل أصبحت واحدة من أكثر الأزمات تأثيرًا في معادلات الأمن الإقليمي، بالنظر إلى موقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر، وارتباطه المباشر بحوض النيل والقرن الأفريقي.

ومن هذا المنطلق، فإن استقرار السودان لا يمثل مصلحة سودانية خالصة، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بحسابات الأمن القومي لكل من مصر والسعودية، باعتبارهما دولتين ترتبط مصالحهما الاستراتيجية والجغرافية بصورة وثيقة بما يجري داخل السودان.

فالسودان يمتلك ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، ويطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، كما يشكل عمقًا جغرافيًا وأمنيًا لمصر والسعودية. ولذلك فإن أي تحول دائم في موازين القوة داخل السودان قد تكون له انعكاسات تتجاوز الحدود السودانية إلى البحر الأحمر وحوض النيل والمنطقة العربية بأكملها.

بالنسبة إلى السعودية، تكتسب التطورات في السودان أهمية إضافية بسبب القرب الجغرافي للساحل السوداني من الأراضي والمشروعات السعودية الواقعة على البحر الأحمر. وأي حالة عدم استقرار طويلة الأمد أو ظهور نفوذ لقوى مسلحة على الساحل قد تفرض تحديات جديدة على أمن الملاحة والمشروعات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى في المنطقة.

ولا يتعلق الأمر بالجانب العسكري وحده، بل يمتد إلى الاقتصاد والملاحة والاستثمار. فاستمرار الصراع يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع مخاطر النقل البحري والتأمين، ويزيد من صعوبة تنفيذ المشروعات الاقتصادية العابرة للحدود، فضلًا عن تأثيره في حركة التجارة والإمدادات.

أما مصر، فإن أهمية السودان بالنسبة إليها تبدو أكثر تعقيدًا، بحكم الجغرافيا والتاريخ وملف مياه النيل. فالسودان يمثل العمق الجنوبي لمصر، وأي تغير كبير في موازين القوى داخله يمكن أن ينعكس على حسابات القاهرة الأمنية والسياسية والمائية.

وتزداد حساسية هذا الملف في ظل استمرار الخلافات حول مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي، ما يجعل استقرار السودان وموقعه في منظومة حوض النيل عنصرًا مهمًا في الحسابات الاستراتيجية المصرية.

ومن هنا، فإن القاهرة والرياض معنيتان بدرجة كبيرة بمنع تحول السودان إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، أو إلى منصة تستخدمها أطراف مختلفة لتوسيع نفوذها وتهديد مصالح دول الجوار.

لكن المطلوب من مصر والسعودية لا يعني بالضرورة الدخول في الحرب نيابة عن السودانيين، أو فرض وصاية على القرار الوطني السوداني. وإنما يتعلق الأمر، قبل كل شيء، بإدراك أن استقرار السودان يمثل جزءًا من الأمن القومي المباشر للدولتين.

وفي ظل اتساع نطاق الحرب وتعدد الأطراف المؤثرة فيها، تبرز أيضًا المخاوف المرتبطة بالحدود السودانية. فمن الغرب، تتزايد المخاوف من انعكاسات التوترات مع تشاد على الوضع الأمني، في وقت تتهم فيه الخرطوم أطرافًا إقليمية بالتدخل في الحرب ودعم قوات الدعم السريع.

ومن الشرق، تثير التقارير المتعلقة بتحركات عسكرية داخل الأراضي الإثيوبية وتسليح وتدريب عناصر مرتبطة بالحرب السودانية مخاوف جديدة بشأن احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وبحسب تقارير وتحليلات متداولة، فإن التطورات على الحدود الشرقية والغربية للسودان تستدعي مراقبة دقيقة من جانب الدول المجاورة والقوى الإقليمية، لأن اتساع نطاق الصراع قد يحول الأزمة من حرب داخلية إلى أزمة أمن إقليمي مفتوحة.

وهنا تظهر أهمية الدور المصري والسعودي بصورة أكبر. فبدل أن تظل المعالجة محصورة في الدعم المباشر، يمكن للقاهرة والرياض الدفع باتجاه تحرك دبلوماسي إقليمي أكثر فاعلية، يهدف إلى دعم مؤسسات الدولة السودانية، والضغط من أجل وقف تدفقات السلاح، والحد من التدخلات الخارجية التي تزيد من إطالة أمد الحرب.

كما أن استقرار السودان يمثل مصلحة اقتصادية لا تقل أهمية عن البعد الأمني. فالسودان يمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية ضخمة، ويمكن أن يتحول، في حال استعادة الاستقرار، إلى عنصر مهم في منظومة الأمن الغذائي الإقليمية.

أما استمرار الحرب، فيعني تعطيل هذه الإمكانات، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل حركة التجارة والاستثمار، وزيادة الضغوط على دول الجوار، وهو ما يجعل كلفة استمرار الأزمة أكبر بكثير من كلفة دعم الاستقرار.

إن ترك السودان ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية قد يؤدي في المستقبل إلى تعقيدات أكبر، ليس فقط داخل الأراضي السودانية، وإنما على البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي.

ولهذا فإن دعم الدولة السودانية ومؤسساتها، ووقف التدخلات الخارجية، والعمل على تجفيف مصادر التسليح غير المشروع، يمكن أن يشكل أساسًا لتحرك إقليمي يحمي مصالح جميع الأطراف.

وفي نهاية المطاف، فإن استقرار السودان لم يعد قضية منفصلة عن محيطه. فالموقع الجغرافي للدولة السودانية يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيها قابلًا للانتقال إلى ملفات الأمن البحري والمائي والاقتصادي في المنطقة.

ومن هنا، فإن دعم استقرار السودان لا ينبغي النظر إليه باعتباره عملًا تضامنيًا فقط، وإنما باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في أمن المنطقة بأكملها.

فكلما استقرت مؤسسات الدولة السودانية، تراجعت فرص تحول أراضي السودان إلى ساحة للصراع الإقليمي، وكلما طال أمد الفوضى، ارتفعت احتمالات انتقال تداعياتها إلى دول الجوار.

ولهذا تبدو المعادلة واضحة: حماية استقرار السودان تعني، في جانب كبير منها، حماية المصالح الأمنية والاقتصادية لمصر والسعودية، وتأمين البحر الأحمر وحوض النيل من تداعيات صراع قد تمتد آثاره إلى ما هو أبعد من الحدود السودانية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.