عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
«قرن الإذلال الصيني ودروس السيادة».. الكاتب أحمد شموخ يفكك استدعاء جوبا الاستفزازي للسفير السوداني و... هاجر سليمان...أين شرطة الموانئ هل عجزت عن تأمين ميناء سواكن ؟؟ .. وهل سيتم قفل الميناء من قبل المحتج... «سقوط أحد مهندسي الغدر».. مقتل الهالك علي الصادق أبرز مقتحمي مطار مروي صبيحة 15 أبريل بمعارك النيل ا... «محارق المـ وت تطال قيادات التمرد».. القوات المسلحة تدك المجموعة 216 وتصـ في المدعو "أزرق بنات" النا... «ثورة تشريعية لحماية المقدرات وحماية المرابطين».. مجلس السيادة يصدر مرسوماً بتعديلات عاجلة على 6 قوا... «مناورات الانتحار الجوي».. الصحفي التركي أموت كاجري يكشف تفاصيل تكتيك الطائرات المسيّرة الثلاثية لمل... «رسالة تأكيد استراتيجي عاجلة ».. البرهان من وادي حلفا يضع النقاط على الحروف بشأن المصريين «سحق التمرد أو الفناء».. كباشي يوجه ضربة قاصمة لخطط التفاوض المشبوهة ويؤكد: لا استقرار ولا تسوية مع ... مباحث ولاية القضارف تطيح بسائق «التوسان» المتهم في حادث دهس المواطن محمد عجيب بعد أيام من الفرار «شهادتك السودانية أقرب إليك».. وزارة التربية تطلق حزمة مراكز جديدة بـ 3 محليات بولاية الخرطوم لإنهاء...

«قرن الإذلال الصيني ودروس السيادة».. الكاتب أحمد شموخ يفكك استدعاء جوبا الاستفزازي للسفير السوداني ويفضح أدوار دولة جنوب السودان في إمداد مليشيا آل دقلو

أحمد شموخ يكتب عن استدعاء جوبا لسفير السودان ودروس قرن الإذلال

 

تنديد واسع بتمادي حكومة جنوب السودان في تحويل أراضيها إلى قاعدة لوجستية لطرق إمداد المرتزقة وفرض وقائع باطلة في أبيي.. وتأكيد بأن السودان سيعيد صياغة معادلات الردع الإقليمي قريباً

 

متابعات – عاجل نيوز 

أحمد شموخ

بلغ غضبي وانزعاجي من محاولة استغلال معظم دول الجوار ما يتصوروه ضعفاً في السودان، ذروتهما اليوم، حين أقدمت “جنوب السودان” على استدعاء السفير السوداني في جوبا، احتجاجاً على قصف سوق النعام في منطقة أبيي، أي جزء من أراضي السودان ومن إقليم الدولة.

وهذا السوق تستخدمه مليشيات الإمارات ومرتزقتها مركزاً رئيسياً للتهريب والتزود بالوقود وبيع المنهوبات، ونقل ثروات السودان المنهوبة عبر جنوب السودان وكينيا ويوغندا لإعادة تصديرها إلى مشيخة أبوظبي.

و”جنوب السودان” أصلاً مركز لوجستي لإمداد مليشيا أبوظبي ومرتزقتها بالوقود والسلاح، وممر لتحركاتهم وتنقلاتهم بين جبهات كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وموقع لعلاج جرحاهم وتقديم الرعاية الطبية لهم.

ومع ذلك، تستدعي جوبا سفير السودان للاحتجاج على عمليات الجيش السوداني في منطقة جزء من أراضيه الوطنية، استهدفت شبكات الإمداد التي تغذي حرب الغزو والاحتلال ضد وحدة وسيادة وأمن السودان!

نحن نمر بمرحلة ينظر فيها محيطنا الإقليمي إلى السودان باعتباره ضعيفاً، حتى ونحن نمتلك اليوم من أدوات القوة العسكرية ما لم نمتلكه منذ مئتي عام.

لكن انشغال الدولة بجبهات متعددة تواجه فيها تهديداً وجودياً لكيان السودان ووحدته، وإصرار العدو على إدامة حالة الاستثناء وعدم الاستقرار، قيّدا قدرتنا على توظيف قوتنا وفرض الردع في محيطنا الإقليمي، بعدما انصرفت معظم مؤسسات الدولة ومواردها إلى حرب الدفاع عن الوجود وتحرير الأراضي وتأمين الحدود والُمدن.

فالعدو أصبح أشد حرصاً على منع الاستقرار والعودة والتعافي من حرصه على تحقيق انتصارات عسكرية حاسمة. ولهذا يواصل هجماته الإرهابية التي صارت غاية في ذاتها، لإبقاء السودان في حالة اضطراب دائم، ومنع عودة المواطنين واستئناف الحياة الطبيعية، وحرمان الدولة من جني ثمار انتصاراتها العسكرية سياسياً، باستعادة الأمن والسيطرة على أراضيها.

مرت الصين، منذ أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بما تسميه “قرن الإذلال الوطني”، حين تعرضت للغزو والاحتلال واقتطاع الأراضي وفرض المعاهدات المجحفة على أيدي بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية واليابان وغيرها.

وكانت الصين يومها رجل آسيا المريض، تستبيحها القوى القريبة والبعيدة، ويغري ضعفها العدو والصديق بفرض شروطهما عليها وانتهاك سيادتها.

ونحن نعيش اليوم شيئاً من هذه التجربة، وإن كان أقل كثيراً مما تعرضت له الصين. فالسودان يتعرض للغزو والاحتلال من العدو، وللاعتداء وانتهاك حقوق مواطنيه ممّت تجمعه به علاقات تاريخية ومصالح استراتيجية، في جانب كبير بسبب تصوّر الضعف واستبطانه كمسوّغ.

وهذه طبيعة النظام الدولي الفوضوي (Anarchic International System) كما يصفه شيخنا جون ميرشايمر. فلا توجد في هذا العالم شرطة دولية تهب لنجدتك حين تضعف وتتعرض للاعتداء، .

وإنما تعتمد فيه الدول على نفسها (Self-help) لحماية أمنها وبقائها. فلا تحمي الجيرة دولة تعجز عن حماية نفسها، ولا تمنع علاقات الأخوة والتاريخ والجغرافيا التنافس بين الدول وتضارب مصالحها.

ولم تتجاوز الصين قرن الإذلال باستحضار مظالمها التاريخية، وإنما بنت قاعدة صناعية واقتصادية وتكنولوجية ضخمة، وانتشلت مئات الملايين من مواطنيها من الفقر، وأقامت اقتصاداً يمول قوتها العسكرية، وامتلكت من القدرات ما فرض لها مكانتها على العدو والصديق.

ولم تتردد في التقارب مع غريمها الأيديولوجي الأمريكي حين اقتضت مصالحها الاستراتيجية ذلك، وجعلت من علاقاتها الخارجية أداة لخدمة مشروعها الوطني وصعودها الاقتصادي.

ولا نحتاج في السودان إلى استنساخ التجربة الصينية، وإنما إلى استيعاب درسها الجوهري.

فلا كرامة وطنية مستدامة دون قوة وطنية شاملة، ولا قوة عسكرية مستدامة دون اقتصاد منتج وقاعدة صناعية وتكنولوجية ودولة قوية بمؤسساتها وقدراتها. فالقوة تمنح السياسة والدبلوماسية أدواتهما، وتمكّن الدولة من حماية مواطنيها واستعادة حقوقها وفرض احترام سيادتها.

وبناء هذه القوة في السودان يقتضي أيضاً مشروعاً وطنياً تتوافق عليه الأمة، وتؤسس له دستورياً في قضايا الأمن القومي والسيادة ووحدة البلاد والمواطنة المتساوية واحتكار الدولة للسلاح واستخدام القوة.

فهذه من أصول وجود الدولة واستمرارها، ولا ينبغي أن تخضع للمساومات الحزبية أو الصراع على السلطة، وإنما أن تستقر عليها الأمة، وأن تلتزم بها الحكومات المتعاقبة مهما اختلفت برامجها وسياساتها.

فليس من الممكن بناء قوة استراتيجية تدوم، ونحن نعيد طرح الأسئلة المتعلقة بوجود الدولة ووحدتها وشرعية مؤسساتها عند كل تحول سياسي وتداول للسلطة.

أما استدعاء جوبا للسفير السوداني في هذه الظروف، فسيظل عندي من أوضح الشواهد على ما بلغه السودان.

وليس ذلك لأن “جنوب السودان” وحدها تتيح أراضيها لإمداد مليشيات أبوظبي ومرتزقتها، فهناك إثيوبيا وتشاد وكينيا ويوغندا وأفريقيا الوسطى والكاميرون وليبيا وغيرها،.

بدرجات وأدوار متفاوتة، وإنما لأن جوبا، التي صارت منذ التدخل العسكري الأوغندي العام الماضي أقرب إلى محمية عسكرية لكمبالا، تعتمد في حماية عاصمتها على قوات يوغندية،.

تحاول استغلال انشغال السودان بحرب الدفاع عن وجوده لفرض وقائع سياسية وديمغرافية جديدة في أبيي نيابةً عن آخرين، حتى إنها أدرجت المنطقة ضمن دوائرها الانتخابية، في تحدٍّ صريح للموقف السوداني والاتفاقيات التي تنظم وضعها.

والمفارقة أن السودان ظل حريصاً على علاقاته مع حكومة سلفا كير، وتجنّب تحميلها مسؤولية الإمدادات التي تعبر أراضي الجنوب إلى مليشيات أبوظبي.

وحتى نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، حين تحدث صراحة عن تورط تعبان دينق وبعض قادة الأجهزة الأمنية السابقين في دعم المليشيا، أكد أن ذلك لا يمثل سياسة حكومة جوبا.

ومع كل هذا الحرص السوداني، تمضي جوبا في إجراءات تمس حقوق السودان في أبيي، ثم تستدعي سفيره للاحتجاج على عمليات عسكرية في منطقة يعدّها السودان جزءاً من أراضيه الوطنية! هذا موقف سنذكره لجوبا في التاريخ.

وسيأتي الوقت الذي يستعيد فيه السودان عافية قوته، ويستعيد معها القدرة على توظيفها خارج حدوده، وفرض احترام مصالحه وسيادته في محيطه الإقليمي.

وحينها ستتغير حسابات الذين استهانوا به، وسيدرك كل من استغل انشغالنا بالدفاع عن بقائنا أن للدول ذاكرة، وأن الاعتداء على السودان والاستخفاف بسيادته ستكون لهما كلفة لن يستطيع الآخرون تجاهلها.

إن الامتحان التاريخي الأكبر الذي ينتظرنا بعد هذه الحرب هو أن نتجاوز مجرد استعادة ما فقدناه، وألا نعود إلى الظروف نفسها التي جعلت بلادنا عرضة للغزو والاستباحة.

فلا نريد أن تظل وحدة السودان وبقاؤه معلقين في كل مرة على قدرة جيشه على خوض حرب جديدة للدفاع عن وجوده، وإنما أن نبني دولة تمتلك من أسباب القوة ما يردع المعتدين قبل أن يفكروا في الاعتداء، ومن القدرة الاقتصادية والتكنولوجية والمؤسسية ما يحفظ سيادتها، ويوفر لمواطنيها الأمن والكرامة والرخاء.

لقد أثبت السودانيون في هذه الحرب قدرتهم على الدفاع عن بقاء دولتهم ووحدتها مهما كانت التضحيات والمهددات، وعلينا أن نثبت بعد الحرب قدرتنا على بناء دولة لا يجرؤ أحد على اختبار وجودها كلما ظنّ أنها ضعفت.

والأمم التي تتعلم من محنها لا تكتفي بالنجاة منها، تستطيع أن تغيّر الشروط التي جعلتها عرضة لتلك البلايا ابتداءً. وكما قال الإمام المهدي “المزايا في طيّ البلايا”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.