عاجل نيوز
كنت أحملً كيساً أسود اللون وأنا أطوف شوارع قرية “البركل فوق”، أمشي بخطواتٍ مترددة خجولة، مترددة مع أنها خرجت تريد الوصول لكنها لم تُرد أن تصل. كأنني أطرقُ باباً ليس من حقي طرقه، كتلك المكالمة التي تقوم بها وتتمنى أن لا يرُد المتصل..
أسأل المارة وأهل الحي عن المنزل رغم أني جئته ست مراتٍ من قبل، لكن منذ أن أصبحت أجيء إليه وحدي من غير دفعتي “حسن” أجد نفسي تائهاً لا أعرف الشوارع كأنني أول مرة أجيء بها، كأنَّ الموتَ لا يسرقُ الأشخاص فقط، حتى الشوارع والبيوت تجدها سُرِقت من ذاكرتك وأنت وحدك…
“تلف شمال في شمال بتلقا أعمامك بره أسألهم” هكذا أخبرني الصبي وأنا أسأله عن البيت…
“إتفضل أشرب ليك شاي أول، البيت دغري قدامك” هكذا أخبرني الرجل، ومدَّ لي كوباً من الشاي، الناسُ في البركل يُكرمون الغريب. إعتذرت عن شرب الشاي، الوقتُ ليسَ مُناسباً لشُرب الشاي، ولا مرارة الفقد. لم يكونوا يعلمون أنني أحملُ بقايا حياة لعزيزٍ متوفي في كيس، لا وقت للحديث عن تغيُّر المناخ وزيادة الأسعار ومجريات الحرب…
لم يكن الأمر مجرد تسليم أغراض، لم أكن موظفًا في شركة نقل، كنت أُرتّب الوداع الأخير، بطقوسٍ هادئة خانقة، تُشبه صلاة الميت حين تُقال على شهيدٍ لا يحتاج لصلاة…
هو مجرد كيسٍ أسود كنت أحمله لكل من يراه، كيس لن يُلفت نظرك لأن لا شيء مميز فيه، لا ماركة عالمية، ولا خامة متفردة…
لكنها كانت تفاصيلٌ كثيرة بداخله. وأنا أرتب الأغراض والملابس وأضعها فيه كما لو كان شريطاً لحياةٍ كاملة وذكريات ممتدة…
كانت بداخله متبقي أغراض كانت معي لدفعتي الشهيد “حسن” الذي كان يشاركني السكن.. كل قطعة أضعها بعناية داخله تجُرني لسيلٍ لا ينتهي من الحكاوي والقصص، فتحاول دموعي أن تتمرد فأستقوي عليها…
جلابية خضراء كلون قلبه، أخبرني الكثير عن ذكر يوم الجمعة، كان يُذكِّرني وأنا غافل.. جلابية بلون بني مميز كان يرتديها من حينٍ لآخر ونحن ذاهبون إلى شارع المستشفى لشرب شاي بها بقايا عطره المميز، فانيلة بلون بني قلت له ساخراً منه
“ماف غيرها؟ غير الجلد اللابسو دة ومرق قروش إشتري ياخ”
يخبرني بأنه يُريد هاتفي بعد إستشهادي، وأُخبره بأنني سأرِث جلابيته هذه عند موته فيضحك…
جهاز إستقبال كنا نُشاهد به المباريات سوياً، مباريات الهلال والآرسنال، أما غيرهما فلا يلزمنا، جهاز شاهد على ليالي الفرح والإنفعال بعد كل هدف ونضع الخطط والتشكيلة كما لو
كُنَّا غوارديولا وأنشيلوتي.. وضعت الجهاز بعناية فائقة…
كيس بن فخم إعتادنا الشراب منه سوياً في تلك الليالي الباردة التي يضربُ فيها نسيم الشمال جسده النحيل..
“كب سكر كتير ياخ، قايلني عمري ٦٠ سنة ولا شنو”
ما زال أثر صوته هذا في أذني بعد أن يجد السكر بسيط كما أضعه لنفسي، ويحكي حتى يغلبه النعاس…
بذلة طيران ملفوفة بعناية، شهدت ما شهدت….
كل شيء وضعته في الكيس كأنني أضع قلبي قطعة قطعة، كل غرضٍ يروي حكاية، كل رائحة تُوقظ ذكرى، كل قميصٍ يُعريك من الداخل، كل شيء يجُرَّك إلى الحكاوي لا تعرف التوقف، كلعبة طفلٍ تعطل زر تشغيلها…
وصلت الدار بعد جهدٍ جهيد، أتصبب عرقاً من كل مكان في جسمي بعد أن طُفتُ بالشوارع والبيوت…
يبدو أن أهله بدأوا في التعافي، أو هكذا يدَّعون.. لكن ما إن رأوا الأغراض في يدي حتى فتحت الجروحٌ من جديد، الضحكة الطويلة تحوَّلت إلى صمت، صمت طويل، الفرح الذي كان في العيون بزيارتي بدأت تتخله دمعاتٌ خجولة ألمحها رغم أنهم حاولوا إخفاءها عنِّي…
في تلك اللحظة، أدركت أنني لم أكن أُسلّم أشياءً. كنت أُسلّم حياةً كاملة. كنت أُعيده لهم، لا أُعيده حيًّا، بل أُعيدُه قطعة قطعة…
هذه المرة الأولى التي أجد نفسي فيها مطالباً بحمل أغراض شخص فارق الحياة، حسبت الأمر يسيراً لكنه كان أصعب…أن تحمل بيدك بقايا حياة، وتحاول أن تقول إنها “أشياء”، بينما هي هو بذاته…
أحيانًا أظن أن موته لم يكن نهاية، بل إنتقال، إنتقل من السكن معنا، إلى السكن فينا…
وأنا الآن مجرد ناقل، كيس على كتف، ودمعة على خد، وقلب لم يعد كما كان…
قد يبدو كيساً أسود لا قيمة له، لكنه كان حياةً كاملة وحكاوي وضحكات وقصص في داخله…
رحم الله الشهيد “حسن”…