قراءة وجدانية في ذاكرة السودان بين الألم والأمل
متابعات – عاجل نيوز
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس الأوطان بما يمر عليها من عواصف، بل بما تختزنه في ذاكرتها من معاني الصمود. هكذا يفتتح الكاتب لؤي المستشار نصه، مستدعياً رمزية “مهيرة” بوصفها شاهداً على أن الحقيقة لا تضيع، وأن الرواية الأصيلة تظل محفوظة في وجدان الشعوب، مهما تعاقبت عليها المحن.
يمضي الكاتب في رسم صورة مكثفة لوطن يقف رغم كل شيء، يشبهه بالنخيل الذي لا ينحني، حتى وإن اشتدت عليه الرياح. فهؤلاء الذين سقطوا في ميادين المواجهة – كما يقول – لم يكونوا مجرد أسماء عابرة، بل جسدوا معنى التضحية، حين اختاروا أن يكونوا سداً يحمي الآخرين، وأن يدفعوا الثمن كاملاً ليبقى الوطن قائماً.
ويؤكد أن التاريخ لا يخلد فقط لحظات القوة، بل يكشف أيضاً لحظات الغدر والانكسار، باعتبارها جزءاً من سردية أوسع. فالأحداث التي مرت بها البلاد، بما تحمله من ألم، تمثل في نظره اختباراً حقيقياً للمعاني الكبرى: الوفاء، والانتماء، والقدرة على التمييز بين الطريقين.
وفي هذا السياق، يربط الكاتب بين الماضي والحاضر، مستحضراً رموزاً تاريخية وثقافية، ليؤكد أن السودان لم يكن يوماً أرضاً سهلة، بل فضاءً تشكلت فيه الهوية عبر صراع طويل مع التحديات. فالشمال، كما يصفه، ليس مجرد جغرافيا، بل ذاكرة ممتدة تحكي قصص حضارات قديمة، وأجيالاً حافظت على جذوة الانتماء.
ومن هناك ينتقل إلى الخرطوم، التي يراها قلب البلاد النابض، حيث تلتقي الاتجاهات المختلفة دون تمييز، وتتشكل فيها صورة الوطن بكل تنوعه. فالمدينة، رغم ما مرت به، لا تزال – في نظره – قادرة على استعادة روحها، لأنها تحمل في داخلها بذور الحياة، التي تنبت حتى في أصعب الظروف.
ولا ينسى الكاتب أن يمر على أمدرمان وبحري، حيث تمتزج الذاكرة بالحنين، وتظل التفاصيل الصغيرة – رائحة المطر، وأصوات الناس، وحكايات الأزقة – جزءاً لا يتجزأ من الإحساس بالوطن. فهذه المدن، كما يراها، لا تُختصر في حدودها الجغرافية، بل تعيش في وجدان من غادروها، وتحولت إلى رمز للانتماء الذي لا يتلاشى.
ويمتد السرد إلى مدني، التي يصفها بأنها نموذج لقدرة الأرض على استعادة عافيتها، مهما تعرضت للاضطراب. فالحياة، كما يشير، تعود دائماً إلى مسارها الطبيعي، حين تتوفر الإرادة، وتنهض المجتمعات من جديد لتعيد بناء ما تهدم.
أما الفاشر، فتظهر في النص كمدينة تحرسها الذاكرة، حيث تختلط فيها صور الماضي بالحاضر، وتبقى شاهدة على أن الأرض لا تنسى أصحابها. وفي الأبيض، تتجلى صورة أخرى للصمود، حيث يرتبط الناس بأرضهم ارتباطاً عميقاً، يجعل من الكرامة جزءاً لا ينفصل عن الحياة اليومية.
وفي خضم هذا الامتداد الجغرافي والوجداني، يطرح الكاتب فكرة محورية: أن الصراع، مهما طال، لا يمكن أن يلغي حقيقة أن الشعوب التي تمتلك هذا القدر من الوعي بتاريخها، قادرة على تجاوز اللحظات الصعبة. فالقوة الحقيقية – كما يرى – لا تكمن فقط في القدرة على المواجهة، بل في الإصرار على الاستمرار.
ويستعيد في هذا السياق صور الشهداء، ليس بوصفهم رموزاً للحزن، بل باعتبارهم امتداداً لقصة أكبر، تُكتب عبر الأجيال. فهم – في نظره – جزء من ذاكرة لا تموت، تظل حاضرة لتذكر الجميع بأن ما يُبنى بالتضحية لا يمكن أن ينهار بسهولة.
ويختتم الكاتب مقاله بإشارة إلى أن الليل، مهما طال، يحمل في داخله بذرة الفجر. فالإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، ليس مجرد أمنية، بل قناعة تتشكل من تجربة طويلة مع الصمود. وهنا تعود “مهيرة” مرة أخرى، لا كرمز تاريخي فقط، بل كصوت يقول إن الحقيقة ستظل واضحة لمن أراد أن يراها.
وبين الألم والأمل، تبقى الحكاية مفتوحة، يكتبها الناس كل يوم، بأفعالهم وصبرهم، وبقدرتهم على التمسك بما يجعل الوطن وطناً، مهما تبدلت الظروف.
⛔️ شاهد الصورة من هنا 👇
