عاجل نيوز
عاجل نيوز

حكومة الأمل والتعافي المؤجل: هل تنجح السلطة في وقف الانهيار الاقتصادي بالسودان؟

الاقتصاد السوداني وتحديات التعافي: هل تسبق الحكومة الانهيار؟

 

قراءة في تحديات الاقتصاد السوداني وأزمة إدارة الأزمات في ظل تراجع الجنيه وغلاء المعيشة

 

متابعات – عاجل نيوز

إبراهيم شقلاوي

في السياسة كما في الاقتصاد، لا تقاس قيمة الحكومات بحجم الوعود التي تطلقها، وإنما بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص، والتحديات إلى إرادة حقيقية للتعافي.

ومن هذه الزاوية المهمة، يتضح أن حكومة الأمل تواجه أول اختبار حقيقي لها في قدرتها على إقناع المواطنين بأن التعافي الاقتصادي يمكن أن يتحول من حلم مؤجل إلى واقع معاش ملموس للجميع.

فالتراجع المتسارع في قيمة الجنيه والارتفاع المستمر في أسعار العملات الأجنبية وغلاء المعيشة، يكشفان عن أزمة هيكلية تتعلق ببنية الاقتصاد السوداني المتداعي.

فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أدخلت البلاد في مرحلة استنزاف طالت الإنتاج والاستثمار والخدمات، بل تراجعت ثقة المواطن في قدرة الدولة على حماية معاشه اليومي وتوفير احتياجاته الأساسية.

ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في تداعيات الحرب وتقلبات العملة الصعبة قد يقود إلى قراءة مضللة للواقع الراهن. فالأمم لا تنهض باستقرار سعر الصرف وحده، وإنما بقدرتها على خلق الثروة وتوسيع قاعدة الإنتاج وتحويل الموارد إلى قيمة مضافة حقيقية.

لذلك فإن السؤال الجوهري ليس لماذا ارتفع الدولار، بل لماذا تراجع الإنتاج ولماذا ظل الاقتصاد عاجزاً عن الصمود أمام الصدمات.

من هنا تبدو مسؤولية الحكومة أكبر من مجرد إدارة الأزمة الاقتصادية بشكل يومي وتلقائي. فهي مطالبة بإعادة تعريف دور الدولة من كيان ينشغل بإدارة الأزمات إلى سلطة تقود عملية تعافٍ وطني شاملة.

فالسودان لا يحتاج اليوم إلى معالجات إسعافية بقدر حاجته إلى رؤية اقتصادية متكاملة تنطلق من دعم الإنتاج باعتباره المدخل الطبيعي للاستقرار النقدي والسياسي.

ولعل قرار مجلس الوزراء الأخير بالدخول المباشر في استيراد المشتقات البترولية يعكس إدراك حجم الضغوط التي تواجه الاقتصاد السوداني، خاصة في ظل التأثير المباشر للوقود على تكاليف الإنتاج.

غير أن أهمية القرار لا تكمن في التدخل الحكومي، وإنما في قدرته على أن يكون جزءاً من سياسة اقتصادية جادة تعالج جذور الأزمة، فالسوق يحتاج إلى خفض التكاليف وتحفيز الاستثمار.

الحقيقة أن التعافي لن يتحقق بالإجراءات النقدية وحدها مهما بلغت أهميتها في ضبط السوق. فالسودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية وبشرية كفيلة بتجاوز أزمته، لكنها تظل مهدرة تحت إدارة عاجزة ورؤية محدودة الأفق.

العائدون إلى مدنهم يحتاجون إلى فرص عمل ومشروعات صغيرة تعيد دمجهم في الدورة الاقتصادية، لا إلى مجرد وعود مؤجلة تزيد من حالة الإحباط العام.

وفي تقديري، فإن أخطر ما يواجه الحكومة اليوم ليس شح الموارد، وإنما وقوعها في فخ إدارة التوقعات بالشعارات بدلاً من إدارة الواقع بالسياسات.

فالفقر الذي تمدد بفعل الحرب لا يمكن مواجهته عبر برامج موسمية أو مبادرات محدودة الأثر، وإنما عبر مشروع وطني يجعل من التشغيل والإنتاج أولوية سياسية قصوى لا تقل أهمية عن استعادة الأمن والاستقرار في كافة أرجاء البلاد.

فوزارة المالية وحدها لا تستطيع خفض الفقر، كما أن البنك المركزي بمفرده لا يستطيع حماية الجنيه ما لم تعمل مؤسسات الدولة ضمن رؤية موحدة.

المفارقة أن السودان يملك اليوم فرصة حقيقية لإعادة بناء اقتصاده مع عودة المواطنين واستئناف الحياة، لكنها تتبدد تحت بطء الحكومة وضعف معالجاتها، بينما ينزف الاقتصاد السوداني بصمت في ظل غياب التنسيق بين أولويات الحكم واحتياجات الناس.

لا يحتاج السودانيون اليوم إلى حكومة تدير الوقت، بل إلى سلطة تسبق الانهيار. فالجنيه يهبط أسرع من قراراتها، والأسعار ترتفع أسرع من معالجاتها.

ومعركة رئيس الوزراء الحقيقية ليست في الخطاب السياسي، بل على مائدة المواطن. فإذا عجزت الحكومة عن وقف هذا التدهور، فلن يكون السؤال عن كفاءتها، بل عن جدوى بقائها لأن الحكومات تفقد مشروعيتها حين يغيب الحل.

بناء على ذلك، يظل السؤال معلقاً حول متى تنجح الحكومة في وقف الانهيار الاقتصادي واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.

أما إذا استمر هذا التدهور بالوتيرة نفسها حتى نهاية العام، فلن يكون التحدي أمام رئيس الوزراء هو الدفاع عن أداء حكومته، بل تبرير بقائها. وعندها قد يكون الأجدر به تقديم الاستقالة، لأن الحكومات تمنح الفرص لتحقيق النتائج لا لإدارة الأزمات بالكلام.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.