السودان بين واشنطن وموسكو: هل تُكتب معركة القرن الإفريقي على ضفاف البحر الأحمر❓️
السودان معركة القرن الإفريقي والتحالفات الدولية في البحر الأحمر
عاجل نيوز
تقرير مكاوي الملك
لم يعد السودان مجرد ساحة حرب داخلية بين جيش ومليشيا، بل تحوّل إلى قلب معادلة إقليمية ودولية ستحدد شكل النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر لعقود قادمة. ما جرى في زيورخ ثم في نيويورك، وما سيتبعه في موسكو من زيارة للبرهان، ليس مجرد دبلوماسية عابرة، بل إعادة صياغة كاملة لمكانة السودان في معادلة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
الولايات المتحدة تدرك أن مشروعها في السودان انهار مع فشل مليشيا دقلو والإمارات في السيطرة على دارفور، ومع نجاح الجيش السوداني في فرض وقائع ميدانية جديدة تقرّب استعادة الدولة لوحدتها. لذلك اندفعت واشنطن للقاء عاجل مع البرهان في زيورخ، ليس حبًا في استقرار السودان، بل خوفًا من تمدد روسيا والصين وإيران وتركيا في البحر الأحمر.
في الوقت الذي تُكثّف فيه واشنطن اتصالاتها واجتماعاتها لمحاولة إعادة الإمساك بخيوط اللعبة، تتقدّم موسكو عملياً عبر اتفاقيات اقتصادية تشمل تطوير الموانئ والمطارات، تحديث السكك الحديدية، والتفاهم على مركز لوجستي في بورتسودان يعزز حضورها العسكري–الاقتصادي. هذه الاتفاقيات ليست شعارات، بل خطوات ملموسة في الطاقة والبنى التحتية والقطاع المالي، تفتح الباب أمام شراكة استراتيجية طويلة المدى تجعل السودان أحد مفاتيح إعادة رسم التوازن الدولي في المنطقة.
✦ الصين تدخل على الخط
في موازاة التحركات الروسية، أكّد السفير الصيني في السودان تشانغ شيان هوا أن “الديون لن تعيق تنفيذ المشروعات الصينية”، مجدداً التزام بكين بدعم بورتسودان في مجالات النفط والكهرباء وإعادة الإعمار، واستعداد الشركات الصينية للعودة رغم التحديات. هذا الموقف يوجّه رسالة إلى واشنطن بأن الشرق يتعامل مع السودان كشريك استراتيجي لا كملف ضغط مالي.
موقع يحسم معادلات القوى
يمتلك السودان واجهة ساحلية تمتد أكثر من 700 كيلومتر على البحر الأحمر، ما يمنحه قيمة مضاعفة تتجاوز حدوده إلى الأمن الإقليمي والدولي. اجتماع زيورخ بين البرهان والدبلوماسية الأميركية لم يكن مجرد بروتوكول، بل جس نبض من واشنطن لمحاولة قطع الطريق على تحالفات بديلة مع روسيا والصين وإيران وتركيا. لكن الرد السوداني كان واضحاً: السيادة لا تُساوم، والدولة تمضي في تثبيت وجودها الميداني، وتسعى في الخارج إلى اعتراف دولي مبني على موازين قوة جديدة.
موسكو تدخل من الباب الواسع
في نيويورك، التقى رئيس الوزراء السوداني بنظيره الروسي سيرغي لافروف، حيث وُقّعت مذكرات تعاون تشمل تحديث السكك الحديدية والموانئ والمطارات، إضافة إلى مشاريع طاقة وزراعة ونفط. هذه الاتفاقيات تعكس تحولًا استراتيجيًا:
- روسيا تضمن موطئ قدم في البحر الأحمر.
- السودان يكسب دعمًا في إعادة الإعمار وبناء القدرات العسكرية.
- الطرفان يرسلان رسالة مباشرة إلى واشنطن: الفراغ يملأه من يملك الإرادة.
واشنطن: بين الضغط والمهادنة
الإدارة الأميركية، رغم دعمها غير المعلن لمليشيا دقلو والإمارات، وجدت نفسها أمام واقع جديد: الجيش السوداني يحقق انتصارات حاسمة، وحصار الفاشر يوشك على الانكسار، ومشروع التقسيم يتهاوى. لذلك جاء اجتماع سويسرا في إطار محاولة “احتواء الخسائر”، مع إدراك واشنطن أن الرهان على المليشيا فشل.
السيناريوهات المحتملة:
- التحالف الاستراتيجي شرقًا: توقيع شراكة شاملة مع روسيا (ومع الصين لاحقًا) تشمل موانئ الطاقة والدفاع الجوي، ما يعني نهاية حقيقية للهيمنة الأميركية، ويضع السودان في محور جديد.
- الموازنة الذكية: بورتسودان تفتح الباب لروسيا دون إغلاقه أمام الغرب، وتستخدم الورقة الروسية–الصينية–الإيرانية لانتزاع تنازلات أميركية، ما يحفظ استقلال القرار.
- التحول المفاجئ: انهيار مليشيا دقلو والإمارات بعد السيطرة على النهود، ما يمنح السودان فرصة تاريخية ويضعه في قلب معادلة جديدة للأمن في البحر الأحمر.
الخلاصة:
السودان اليوم ليس ملفًا ثانويًا في تقارير مراكز البحوث، بل محور جيوسياسي يحدد ملامح القرن الإفريقي. القيادة السودانية أمام لحظة تاريخية: إما أن تحوّل الانتصارات الميدانية والتحالفات الجديدة إلى استقلال حقيقي، أو أن تسمح بجر البلاد إلى مساومات دولية تُفقدها ورقة البحر الأحمر.
انتصارات الميدان + ورقة البحر الأحمر + شراكات استراتيجية متوازنة = سيادة وطنية لا تُفرض من الخارج.
إنها لحظة فارقة، والفرق بين الخيارين تحدده القدرة على الجمع بين قوة الميدان وشرعية الدبلوماسية، وهي المعادلة التي بدأ البرهان يرسمها بخطى ثابتة.
نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.