عاجل نيوز
عاجل نيوز

المحبوب عبد السلام: رجل غادر بيت الحركة الإسلامية وأبقى بابه موارباً بين شهادة التاريخ وثقل التراجع

قراءة في سيرة ومراجعات المحبوب عبد السلام وشهادته على الحركة الإسلامية

إبراهيم برسي يقرأ في سيرة القيادي الإسلامي السابق.. شهادات من كواليس السلطة ومراجعات فكرية لا تسقط المسؤولية التاريخية..

 

متابعات – عاجل نيوز

إبراهيم برسي

كلما استمعت إلى المحبوب عبد السلام، يصعب عليّ أن أضعه في الخانة المريحة التي نضع فيها عادة الإسلاميين الذين غادروا التنظيم أو اختلفوا معه.

الرجل ابتعد كثيراً عن المكان الذي بدأ منه، وهذا واضح في كتاباته وحواراته، لكنه لم يغادر ذلك المكان بالطريقة التي تجعل الحديث عنه سيرة «إسلامي سابق».

لا يزال حسن الترابي حاضراً في أحاديثه وفي طريقته في تفسير ما جرى، بحجم الأستاذ الذي يصعب التخلص من أثره، حتى بعد أن يصبح تلميذه ناقداً للتجربة التي صنعها الأستاذ وقادها.

وربما لهذا ظل المحبوب مثيراً للاهتمام، لأنه لا يقدم لنا قصة خروج نظيفة ومكتملة، وإنما قصة رجل أمضى سنوات طويلة يعيد النظر في البيت الذي عاش فيه، من غير أن يغلق بابه تماماً.

ولد المحبوب في أم درمان عام 1958، ودرس الفلسفة قبل أن ينشغل بالعلوم السياسية والدراسات الإسلامية. لكن سيرته الأكاديمية لا تفسر أهميته وحدها؛ فقد كان قريبماً جداً من حسن الترابي، وأدار مكتبه سنوات طويلة، وكان من الذين كتبوا بعض خطب الرئيس السابق عمر البشير. وبعد انقلاب 30 يونيو 1989، عمل مديراً للإعلام الخارجي، ثم تولى إدارة مكتب الأمين العام للمؤتمر الشعبي العربي والإسلامي في التسعينيات. وكانت تلك سنوات يصعب فيها فصل الوظيفة عن طبيعة الدولة التي كانت تتشكل عبر الانقلاب وحل الأحزاب ونقش ملامح «التمكين»، واستضافة حركات وشخصيات إسلامية من شتى البلدان.

كان المحبوب قريباً من هذه الوقائع إلى درجة تجعله اليوم شاهد مهمّاً عليها، وقريباً منها أيضاً إلى درجة تمنع التعامل مع شهادته كما لو أنها شهادة مراقب جاء بعد انتهاء الأمر. ففي حواره المطول مع غسان شربل عام 2025، تحدث عن الاتصالات السودانية الفرنسية التي انتهت بتسليم «كارلوس» عام 1994، وروى تفاصيل خطيرة عن محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، ومعرفة دوائر القيادة السودانية بها. وهي رواية شديدة الخطورة تأتي أهميتها من أن الرجل كان يتردد على غرف القرار ورجاله، ومن اللغة التي كان النظام يقدم بها نفسه للعالم.

ليس من الصعب أن يحكي لنا شخص عاش خارج السلطة ما فعلته السلطة، والأصعب أن يتحدث من كان قريباً منها من دون إعفائه من سؤال مكانه فيها. فالمحبوب لم يكن مديراً لجهاز أمني ولا قائدًا عسكرياً، لكن الأنظمة لا تُبنى بالضباط وحدهم، بل بمن يصوغ حججها ويمنحها اللغة التي تتحدث بها عن نفسها، وكان للمحبوب نصيبه في صناعة تلك اللغة خلال سنواته الأولى التي كتب فيها مقالات قاسية ضد القوى السياسية المعارضة. لكنه لاحقاً، وفي حوارات لاحقة، اعترف بأن روح «الناقم والناقض» كانت تحل عنده يومها محل روح الناقد، معبراً بوضوح عن مراجعة فكرية عميقة ومقرّاً بأوهام «إعادة التاريخ الإسلامي لمساره الصحيح».

وما يميز تجربة المحبوب حقاً هو أنه لم يتحول إلى ناقد بعد انهيار النظام وسقوطه، بل بدأ كتابة نقده والنظام لا يزال قائماً، كما فعل في كتابه «الحركة الإسلامية السودانية، دائرة الضوء.. خيوط الظلام» الصادر عام 2010 والذي دخل إلى المطبخ الداخلي للتجربة وأثار اعتراضات حادة داخل أوساط الإسلاميين وقتها. غير أن هذا لا يحل الإشكال الأخلاقي والتاريخي بالكامل؛ فالتحدث عن بيوت الأشباح والتعذيب وانتهاكات السلطة من داخل الدوائر الضيقة يطرح السؤال الصعب: متى عرفوا؟ وما القدر الذي يحتاجه المثقف حتى تصبح مغادرته واجبًا أخلاقياً لا مجرد خلاف سياسي؟

وعلى الرغم من هذه التساؤلات المشروعة، لا يمكن إنصاف المحبوب باختزاله في سنوات قربه من الإنقاذ. لقد تحرك الرجل ببطء وثبات؛ ففي 2014 راجع موقفه من القوى الوطنية، وفي 2017 دعا الإسلاميين إلى تأسيس «حزب ديمقراطي للمسلمين» متجاوزاً النخب القديمة وشمولية التصورات التقليدية. وربما ساعده تكوينه الثقافي الواسع واطلاعه على الأدب والشعر (كمحمود درويش ومحجوب شريف) على النظر إلى تجربته من مسافة لم يصل إليها كثيرون من رفاقه.

تبقى المشكلة الكبرى معقدة في العلاقة مع «الترابي»؛ فالمحبوب يستطيع أن يكون صارماً في نقد البشير والجنرالات وقيادات الإنقاذ، لكنه يحتفظ للترابي بموقع المفكر الكبير الذي خانه تلاميذه.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل خان هؤلاء الترابي عندما أصبحوا مستبدين، أم خانوه عندما أبعدوه عن مركز السلطة؟ فالترابي لم يكن مفكراً يقف خارج التجربة، بل كان قائد الحركة التي خططت للانقلاب وأخفت هويته، وما جاء بعد ذلك من إقصاء وتمكين هو امتداد لتلك البداية التأسيسية.

إن ثورة ديسمبر وحرب 15 أبريل 2023 وضعتا هذه المراجعات كلها أمام امتحان قاسٍ؛ فلم يعد الأمر مجرد خلاف على ما جرى داخل التجربة، بل مواجهة مع انهيار كامل للدولة ومجتمع مثقل بالحروب.

وفي مواقفه اللاحقة، رفض المحبوب الانجرار خلف السرديات الحربية المطلقة، وحذر من تسليح المدنيين وتمدد الاقتتال، مشيراً بوعي إلى مسؤولية المدنيين والمثقفين الذين كتبوا الخطب للجنرالات وساعدوهم على الحكم، واقترب بذلك من إدراك مسؤولية الطبقة السياسية برمتها.

 

إن المحبوب عبد السلام ليس «إسلامياً تائباً»، ولا يمكن معاملة ما كتبه لاحقاً كما لو أنه يمحو سنوات مشاركته الأولى.

لكن مراجعاته تمثل خطوات حقيقية وجريئة تستحق التوقف، وتترك معها سؤالاً معقداً لا بد لأي قراءة موضوعية أن تطرحه: أين كان صاحب الشهادة، وماذا كان يرى، حين كان ذلك التاريخ يصنع فصوله الأولى على أنقاض حرية السودان وأمنه؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.