عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
عمر الدقير : أعمار أقصر من الأحلام.. تأملات في الحياة والزمن والحرب لماذا فعلت ما فعلت يا عوض بن عوف؟.. الطيب إبراهيم يوجه تساؤلات قاسية لعراب انقلاب 11 أبريل وسط خراب ... اعترافات موثقة بالصوت والصورة: قائد بالعمل الخاص يؤكد تنفيذ عمليات عدائية استهدفت مدينة النهود! مكالمة هاتفية رفيعة المستوى بين أردوغان وبن زايد.. والسودان حاضراً في المكالمة دكتور أمين حسن عمر يرد على المصباح أبوزيد: هكذا أُجيز قانون الدعم السريع.. وتلك هي حقيقة مسؤولية الب... شبكات إرهاب عابرة للحدود: الصحفي التركي أوموت شاغري يكشف تورط سعيد دني وشقيقه في جرائم حرب السودان و... مخطط استدراكي يائس: عبدالرحيم دقلو يجمع نظار القبائل العربية في نيالا لاحتواء تمرد «كاودا» وانهيار ت... وصول المبعوث الأممي بيكا هافيستو إلى الخرطوم دعماً للحوار مسار الحوار السوداني – السوداني عمليات ابتزاز وفدية مالية : مسلحون تشاديون يحتجزون عناصر من الدعم السريع على الحدود! صرخة من عمق التاريخ السيادي: نقابة العاملين بسودانير تناشد البرهان

عمر الدقير : أعمار أقصر من الأحلام.. تأملات في الحياة والزمن والحرب

مقالة الدكتو عمر الدقير: أعمار أقصر من الأحلام تأملات في الحياة والزمن والحرب

 

من سينيكا وكافكا إلى المتنبي وكامو.. قراءة في قِصر العمر وقسوة الحرب وما تتركه من أعمار معلقة بين الفقد والانتظار

 

متابعات – عاجل نيوز

الحياة قصيرة.. جملة تبدو مألوفة إلى درجة أننا نكاد نمر عليها دون أن نتوقف عند معناها الحقيقي. نقولها عندما يمضي العمر أسرع مما توقعنا، أو حين تتراكم الخطط التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، أو عندما يخطف الموت شخصاً عزيزاً قبل أن نقول له ما كان ينبغي أن نقوله.

لكن عمر الدقير يضع هذه العبارة في سياق أعمق، في محاولة للتفكير في علاقة الإنسان بالزمن، وما يفعله العمر المحدود بالأحلام التي تبدو بلا نهاية.

فالإنسان، مهما طال عمره، لا يحصل على الوقت الكافي لتحقيق كل ما يرغب فيه. هناك دائماً كتاب لم نقرأه، ومدينة لم نزرها، وطريق لم نسلكه، وشخص أحببناه ولم نمنحه من الكلمات ما يستحق، وحياة أخرى محتملة كان يمكن أن نعيشها لو أننا اتخذنا قراراً مختلفاً عند إحدى محطات العمر.

وهنا تبدو المفارقة الكبرى؛ فالإنسان يملك أحلاماً تكاد تكون بلا حدود، لكنه يعيش داخل عمر له حدود صارمة لا يستطيع تجاوزها.

وقد توقف الفيلسوف الروماني لوسيوس سينيكا طويلاً أمام هذه الفكرة في كتابه عن قِصر الحياة، إذ رأى أن المشكلة ليست دائماً في قصر العمر، وإنما في الطريقة التي ينفق بها الإنسان وقته، وفي اكتشافه المتأخر لقيمة السنوات التي مرت دون أن يشعر.

لكن هذه الفكرة تصبح أكثر قسوة عندما تنتقل من الإنسان الفرد إلى شعب كامل يعيش الحرب.

في السودان، لم يعد الزمن مجرد ساعات وأيام وشهور تمر على التقويم، وإنما أصبح شيئاً أثقل بكثير. سنوات من الحرب أعادت تشكيل حياة ملايين السودانيين، ودفعت أعداداً كبيرة منهم إلى النزوح، والابتعاد عن البيوت، وتعليق الدراسة والعمل والمشروعات والأحلام.

أطفال كبروا بعيداً عن مدارسهم، وشباب تعطلت بدايات حياتهم، وأسر تفرقت بين المدن والدول، وكبار سن ظلوا ينتظرون العودة إلى أماكن ارتبطت ذاكرتهم بها لعقود.

وهكذا لا تقتل الحرب الإنسان فقط عندما تحصد روحه، وإنما تستطيع أيضاً أن تقتل جزءاً من الحياة التي كان من الممكن أن يعيشها.

وهذه واحدة من أكثر صور الحرب قسوة؛ أن تستولي على الزمن نفسه.

فالسنوات التي كان يمكن أن تكون سنوات بناء واستقرار وتعليم وعمل وأسرة، تتحول إلى سنوات انتظار وخوف ونزوح ومحاولات مستمرة للبقاء.

وعندما تنتهي الحرب، إذا انتهت، لن يكون السؤال فقط: كم عدد المنازل التي يمكن إعادة بنائها؟ بل سيكون السؤال الأعمق: كم من الأعمار ضاع؟ وكم من الأحلام تغيرت؟ وكم من الأطفال والشباب سيحتاجون إلى سنوات جديدة لاستعادة ما فقدوه؟

وفي هذا السياق، يبدو سؤال العودة أكثر تعقيداً من مجرد العودة إلى المكان.

فالمكان قد يبقى موجوداً، لكن الإنسان الذي غادره لا يعود بالضرورة هو الإنسان نفسه.

البيت الذي تركه قبل سنوات قد يكون قائماً، لكن الجيران تغيروا، والأصدقاء تفرقوا، والأطفال الذين كانوا يلعبون في الحي كبروا، وبعض الوجوه غابت إلى الأبد.

وهنا تتداخل فكرة الزمن مع فكرة المكان.

فالمكان لا يعيش بالحجارة والجدران وحدها، وإنما بالناس الذين يمنحونه روحه وذاكرته. وعندما يغيب هؤلاء، يصبح المكان شيئاً آخر، حتى لو ظلت الشوارع والمباني في مواقعها.

وهذه الفكرة لها حضور عميق في الأدب السوداني، خصوصاً عند الطيب صالح، حيث لا يكون المكان مجرد خلفية للأحداث، بل جزءاً من ذاكرة الإنسان وهويته.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تصبح العودة بعد الغياب الطويل تجربة مختلفة؛ فالإنسان لا يعود إلى المكان فقط، وإنما يعود إلى ذاكرته، ثم يكتشف أن الذاكرة احتفظت بصورة لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

أما الحرب، فقد جعلت هذا الإحساس جماعياً.

السوداني الذي خرج من منزله وهو يعتقد أنه سيعود بعد أيام أو أسابيع، قد يجد نفسه بعد سنوات لا يعرف متى ستكون العودة، ولا كيف ستكون، ولا ماذا سيجد عندما يصل.

ولهذا يصبح سؤال «متى نعود؟» واحداً من أكثر الأسئلة حضوراً في وجدان السودانيين.

وكلما طال الانتظار، تغير معنى السؤال.

في البداية تكون العودة مسألة أيام، ثم تصبح مسألة أشهر، ثم تتحول إلى حلم مؤجل، قبل أن تصبح في بعض الحالات أمنية لا يعرف صاحبها إن كان سيشهد تحققها.

ومن هنا تأتي قيمة الأشياء الصغيرة التي اعتاد الإنسان ألا ينتبه إليها.

شروق الشمس من نافذة البيت، صوت الأطفال وهم يستعدون للمدرسة، حافلة مزدحمة في صباح عادي، رائحة الطعام في الحي، جلسة بسيطة تحت ظل شجرة، أو كوب شاي في مكان مألوف.

هذه التفاصيل التي تبدو عادية في أوقات الاستقرار، تتحول بعد الفقد إلى كنوز صغيرة.

فالإنسان لا يدرك قيمة كثير من الأشياء إلا بعد أن يفقد القدرة على الوصول إليها.

وربما لهذا السبب تزداد حساسية الإنسان تجاه الزمن كلما تقدم في العمر، أو كلما مر بتجربة جعلته يدرك أن الحياة ليست مضمونة.

هنا يظهر ألبير كامو بصورة مختلفة؛ فالحياة عنده ليست فكرة مجردة، وإنما تجربة محسوسة، شمس وملح وهواء وجسد ومشاعر وتفاصيل يومية.

والجسد نفسه يصبح جزءاً من معركة الإنسان مع الزمن؛ لأنه يحمل آثار السنوات والمرض والتعب، ويذكر الإنسان باستمرار بأن وجوده ليس أبدياً.

لكن أقسى ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يعيش حياة لم يخترها حقاً، ثم يكتشف ذلك متأخراً.

وهنا يستحضر عمر الدقير رواية تولستوي «موت إيفان إيليتش»، حيث يتحول الموت إلى مرآة تكشف للإنسان ما كان يحاول تجاهله طوال حياته.

فالمكانة الاجتماعية والوظيفة والنجاح في نظر الآخرين لا تعني بالضرورة أن الإنسان عاش الحياة التي كان يريدها.

قد يكتشف في اللحظة الأخيرة أنه قضى سنوات طويلة يطارد أشياء لم تكن تستحق كل ذلك الوقت.

وهذه الفكرة تبدو شديدة الصلة بواقع الإنسان المعاصر، ليس في السودان وحده، وإنما في كل مكان.

فالإنسان كثيراً ما يؤجل الأشياء التي يحبها بحجة أن الوقت سيأتي.

سأزور هذا المكان لاحقاً.

سأقرأ هذا الكتاب عندما أجد وقتاً.

سأعتذر لذلك الشخص غداً.

سأجلس مع الأسرة عندما تنتهي مشاغلي.

سأبدأ المشروع في العام المقبل.

لكن المشكلة أن «غداً» ليست دائماً مضمونة.

وهنا لا يبدو الموت مجرد نهاية للحياة، وإنما تذكيراً بقيمة الوقت الذي كان متاحاً منذ البداية.

وفي الحالة السودانية، تأخذ هذه الحقيقة بعداً أكثر قسوة بسبب الحرب.

فالحرب لا تمنح الإنسان دائماً فرصة اختيار ما يريد أن يفعله بوقته. إنها تفرض عليه أولويات البقاء، وتدفع الأحلام إلى مؤخرة القائمة.

عندما يكون الإنسان مشغولاً بتأمين الطعام والماء والسكن والسلامة، تصبح الأحلام الكبيرة ترفاً مؤجلاً.

وحين يستمر ذلك التأجيل لسنوات، قد يجد الإنسان نفسه أمام عمر مضى دون أن يحقق ما كان يظن أنه سيحققه.

ومع ذلك، لا يدعو التأمل في الزمن إلى الاستسلام للحسرة.

فالماضي، مهما كان ثقيلاً، لا يمكن تغييره.

يمكن استعادته للتعلم، ويمكن النظر إليه لفهم الأخطاء والقرارات والاختيارات، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان لحظة جديدة ليعيدها كما كانت.

ولهذا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا فقدنا؟

وإنما: ماذا سنفعل بما بقي؟

وهنا تنتقل الفكرة من الحزن إلى المسؤولية.

فالإنسان لا يستطيع استعادة السنوات التي مضت، لكنه يستطيع أن يمنح السنوات القادمة معنى مختلفاً.

والسودانيون الذين أنهكتهم الحرب قد لا يستطيعون استعادة السنوات التي أخذتها منهم، لكنهم يستطيعون أن يحاولوا بناء حياة جديدة من بين الركام.

قد لا تكون الحياة الجديدة نسخة من الحياة القديمة، لكنها يمكن أن تكون حياة تستفيد من التجربة، وتعرف قيمة الأشياء الصغيرة، وتدرك أن الاستقرار نعمة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أمراً مضموناً.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق لفكرة «أعمار أقصر من الأحلام».

فنحن لا نملك الوقت الكافي لكل ما نحلم به، لكننا نملك مسؤولية اختيار ما يستحق أن نعطيه وقتنا.

وقد لا يستطيع الإنسان أن يحقق كل أحلامه، لكنه يستطيع أن يتجنب إهدار عمره في ما لا يستحق.

وفي النهاية، لا يكون السؤال الحقيقي عن عدد السنوات التي عاشها الإنسان، بل عن قيمة ما وضعه داخل تلك السنوات.

فقد يعيش شخص عقوداً طويلة ولا يترك أثراً حقيقياً، بينما يستطيع آخر أن يجعل من سنوات قليلة حياة كاملة المعنى.

ولهذا يصبح الزمن في نهاية المطاف امتحاناً للاختيار.

ماذا نحب؟

ماذا نترك؟

من نغفر له؟

من نعتذر منه؟

ماذا نبني؟

وأي أثر نريد أن يبقى بعد رحيلنا؟

إن الحرب تذكر السودانيين بهذه الأسئلة بطريقة مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه تجعل قيمة الحياة أكثر وضوحاً.

فكل صباح جديد ليس مجرد يوم آخر في التقويم، بل فرصة إضافية.

وكل شخص نحبه وما زال معنا، فرصة لنقول له ما تأخرنا في قوله.

وكل حلم لم يمت بعد، يستحق أن نحاول من أجله.

وفي قوله تعالى: «وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ» دعوة إلى ألا يتحول الإنسان إلى سجين للماضي، بل أن ينظر إلى ما يمكن أن يصنعه في القادم.

فالماضي للعبرة، والحاضر للعمل، والمستقبل للأمل.

وربما لا يستطيع الإنسان أن يجعل عمره أطول من أحلامه، لكنه يستطيع أن يجعل ما تبقى من عمره أكثر صدقاً، وأكثر معنى، وأكثر استحقاقاً لأن يُعاش.

وهنا، في قلب الحرب والانتظار والفقد، تصبح الحياة نفسها هي السؤال الأكبر، ويصبح الحفاظ على ما تبقى منها شكلاً من أشكال المقاومة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.