عاجل نيوز
المقدمة:
منذ تكليفه بتشكيل الحكومة، يواجه رئيس الوزراء د. كامل إدريس جملة من التحديات التي تؤخر اكتمال الجهاز التنفيذي، وتحول دون انطلاقة سلسة لحكومته المدنية المنتظرة.
وبين تحفظات الكتل السياسية، وحسابات التوازن الجهوي، وتعقيدات الظرف الأمني، يبدو الرجل محاصرًا من كل الجهات، في مشهد يُعيد إلى الأذهان حكومات ما قبل الحرب التي وُلد أغلبها قيصريًا أو لم تُولد أصلًا.
وتتضاعف التعقيدات مع تكرار الانسحابات واعتذارات المرشحين، كما في حالة وزير الصحة المعيّن د. معز عمر بخيت، والذي يُتداول أنه بصدد الاعتذار عن المنصب لأسباب صحية. فهل تعثّر التشكيل نتاج عراقيل موضوعية؟ .
أم أن هناك أطرافًا تضغط خلف الكواليس لإجهاض مشروع الحكومة المدنية من الداخل؟
قراءة في المشهد السياسي:
رغم مرور ما يقارب الشهرين على تعيين كامل إدريس، لا تزال حكومته تُستكمل “بالقطّارة”، ما أثار تساؤلات الرأي العام حول قدرة الرجل على الإمساك بزمام المبادرة، خاصة مع تنامي التململ وسط الشارع السوداني الباحث عن قيادة تنفيذية واضحة المعالم تُحدث فرقًا فعليًا في قضايا الخدمات والمعيشة والأمن.
وقد تفجّرت الخلافات مبكرًا بين المكونات الداعمة لحكومة إدريس، خصوصًا حول توزيع الوزارات السيادية، ومواقع النفوذ الحساسة، إذ يسعى كل طرف لضمان تمثيل يُناسب ثقله السياسي أو العسكري.
هذا الوضع دفع إدريس إلى انتهاج سياسة التدرج الحذر في الإعلان عن الوزراء، على أمل تقليص مقاومة بعض التيارات وامتصاص الضغوط.
معضلة التكنوقراط والسياسيين:
أراد كامل إدريس تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة عن المحاصصة الحزبية، لكن الواقع السياسي فرض عليه قبول بعض أسماء “التوافق السياسي” تحت ضغط الضرورة، ما أدخل التشكيل في دوامة من التجاذبات.
كما أن بعض المرشحين اضطروا للاعتذار لأسباب أمنية أو مالية أو لضبابية المشهد التنفيذي في بعض الوزارات المنهكة.
وفي هذا السياق، فإن اعتذار د. معز عمر بخيت (في حال تم رسميًا) سيشكل مؤشرًا واضحًا على وجود أزمة ثقة أو انسداد سياسي داخل الطاقم الوزاري، ما يدعو لإعادة تقييم طريقة إدارة ملف التشكيل كليًا.
البعد الخارجي وتأثيراته:
لا يمكن إغفال العامل الدولي والإقليمي في تعقيد عملية التشكيل، فالقوى الأجنبية تُراقب عن كثب طبيعة الوزراء، خاصة في حقائب مثل الخارجية، المالية، الدفاع والإعلام، تحسبًا لأي تحوّل في التوجهات الاستراتيجية. .
ويرجح مراقبون أن بعض الأطراف لا ترضى عن بعض المرشحين لاعتبارات تتصل بمواقفهم السابقة، أو برؤيتهم لمسار الحرب والسلام.
ما بعد التشكيل.. التحدي الأكبر:
حتى في حال اكتمال التشكيلة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة الملفات المنهارة: من الاقتصاد العاجز، إلى الأوضاع الصحية الكارثية، وصولًا إلى الإعلام المحاصر، والبنية التحتية المنهكة، ومطالب عودة النازحين وإعادة الإعمار. وكل ذلك في ظل حرب لا تزال مشتعلة في أطراف واسعة من البلاد.
كما يبرز تساؤل حاسم: هل سيتمكن إدريس من التحرّك بفاعلية في ظل تحالف هش؟ وهل ستملك حكومته ما يكفي من الدعم الشعبي والسياسي لمواجهة النفوذ المتزايد للعسكر والقوى المسلحة الأخرى؟
خلاصة تحليلية:
تعثّر التشكيل الوزاري في حكومة د. كامل إدريس لا يعكس فقط تعقيدات الظرف الانتقالي، بل يفتح أيضًا باب الشك حول مدى جدية الأطراف المختلفة في تمكين حكومة مدنية قادرة على الإنقاذ لا التجميل.
وإذا استمرت التعثرات بنفس الوتيرة، فقد يجد إدريس نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: الاستقالة أو المجازفة بحكومة مشلولة تعاني من الشلل قبل الولادة.