النيل الأبيض يشهد أعظم وأخطر العمليات البحرية للجيش السوداني
أعظم العمليات البحرية للجيش السوداني في النيل الأبيض
ملحمة النيل الأبيض: عمليات بحرية تدرس للأجيال
متابعات – عاجل نيوز
منطقة جبل أولياء العسكرية إلى منطقة الشجرة العسكرية _ المهندسين، شهدت مياه النيل الأبيض أعظم وأخطر العمليات البحرية التي نفذها الجيش السوداني خلال الحرب، والتي سجلت بمداد من ذهب في تاريخ القوات المسلحة. هذه العمليات لم تكن مجرد نقل للقوات والذخيرة، بل كانت معركة وجود صعبة خاضها أبطال مخلصون، متوكلون على الله، مؤمنون بقضيتهم، حافظون لتراب الوطن بأجسادهم، صابرين على تربص الأعداء وتقلبات الأجواء.
خلال هذه العمليات النوعية، تكبد الجيش خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، من شهداء ومصابين وأسرى، إلا أن الهدف الأسمى كان واضحًا: ضمان وصول الإمدادات للقوات في مواقعها، نصرة للوطن والجيش، وصد كيد أعداء الداخل والخارج.
البداية: تجهيز القوارب والرحلة الأولى
بدأت عمليات النقل النهري في مايو 2023 بتوجيهات من قيادة منطقة جبل أولياء العسكرية، سيادة اللواء مهندس ركن بخيت يوسف محمد رحمه، حيث تم تجهيز أربعة قوارب فايبر طولها 6 أمتار، بعضها من النقل النهري والآخر بالتعاون مع بعض المواطنين. تولى المواطن محمد علي مهمة صيانة القوارب والمكنات لضمان جاهزيتها للعمل تحت ظروف صعبة.
انطلقت أول رحلة بقيادة الرقيب أول شمين من شعبة الدفاع الجوي جبل أولياء، متجهة إلى الري المصري _ الشجرة، ونجحت في الوصول رغم الظروف المعقدة والمناخية القاسية. هذا النجاح شكّل نقطة البداية لعمليات نقل مستمرة أسهمت في تزويد منطقة الشجرة العسكرية، سلاح المدرعات، ومنطقة أم درمان بالمقاتلين والأسلحة والزخائر، بالإضافة إلى إخلاء الجرحى والمصابين.
سلسلة التحديات: الكمائن والارتكازات
خلال الرحلات الأولية، حرص الجيش على السرية التامة لضمان نجاح النقل، لكنه واجه تحديات كبرى من القوات المعادية التي نصبت عدة ارتكازات على ضفاف النيل الشرقي والغربي. هذه الارتكازات، بما فيها كجبي، طيبة، الشقيلاب، العقلين، ودالعقلي، ومعسكر صالحة وحديقة أم بركة، كانت تستهدف القوارب في محاولة لإيقاف وصول الإمدادات.
مع مواجهة هذه الكمائن، فقد الجيش عددًا من الشهداء والمصابين، وتم أسر بعض القوارب واحتلالها من قبل العدو، إلا أن الدعم من راجمة 40 دليل ومدفع 37 من أعلى قمة الجبل ساهم في تفادي الخطر وإتمام بعض عمليات النقل.
الابتكار والخطط البديلة
مع تصاعد تهديد العدو في منتصف سبتمبر، خصوصاً مع السيطرة على جزيرة منتصف البحر بالقرب من الفتيح، اضطر الجيش إلى ابتكار خطة جديدة لمواجهة الانقطاع التام للطريق النهري. تم اعتماد التقدم البري بمحاذاة النهر بالقرب من قرى الجموعية وصولًا إلى المنطقة (X) قرب معسكر صالحة، حيث كان أفراد الجيش يقطعون مسافة قصيرة قبل دخول البحر، مع الحرص على عدم تشغيل المكنات لإخفاء الحركة عن أعين العدو.
تمكنت هذه الخطة البديلة من إفشال محاولات العدو لقطع الطريق، واستمرت العمليات على هذا النسق، رغم كمائن العدو المتجددة عند ود العقلي، وهو المربط الرئيس لقوات العدو.
المرحلة الأخيرة: تعزيز الأسطول والنقل الكبير
في الأشهر الأخيرة من العمليات، جلب الجيش أربعة قوارب كبيرة لتعزيز القدرة على النقل النهري، بإشراف اللواء ركن خالد محمد خير، وبقيادة الشهيد الرائد عادل وبعض الضباط المرافقين. هذه القوارب مكنت من نقل المئات من المقاتلين والمعدات إلى سلاح المدرعات، تحت إشراف مباشر من اللواء ركن البيلاوي، الذي أشرف على تحرك القوات البحرية وضمان وصول الإمدادات.
تم الاعتماد على أفراد شعبة أ. س داجو في تنفيذ العمليات النوعية، بينهم المساعد كولخي آدم شريف، المساعد عبد الرحيم شمين، الرقيب أول عباس، الرقيب الشهيد أشرف عباس الدحيش، الرقيب قدورة، الرقيب محمد حسين عطا المنان، الرقيب مبارك حسين، وعدد من المتعاونين المدنيين، الذين لعبوا دوراً محورياً في نجاح هذه العمليات رغم الخطر الكبير والمصابين بين صفوفهم.
التكتيك والتضحيات: قلب المعركة على النيل
خلال سبعة أشهر متواصلة (مايو – نوفمبر 2023)، تم تنفيذ نقل مستمر للذخائر، المعدات، المواد التموينية، الأدوية، والإمدادات الأخرى عبر القوارب الصغيرة والكبيرة. كما تمت عملية التفريق والشحن للذخيرة بطريقة دقيقة، لضمان وصول أكبر كمية ممكنة دون وقوعها بيد العدو.
تكبد الجيش في هذه العمليات شهداء وضباط صف وجنود، إلا أن كل خطوة وُجهت بعزم وإيمان، لتأمين خطوط الإمداد للمدرعات والمواقع الحساسة. ولم تقتصر العمليات على النقل، بل شملت توفير أجهزة تشويش، منظومات كورنيت، وتسهيل الإخلاء الطبي للمصابين، وهو ما يعكس التخطيط الدقيق والاحترافية العسكرية العالية.
القيم الوطنية: البطولة والإخلاص
هذه العمليات البحرية ليست مجرد تحرك تكتيكي، بل تجسيد للتضحية الوطنية والفداء في سبيل الوطن، حيث خاض الأبطال رحلة مليئة بالمخاطر، من الرياح العاتية، كمائن العدو، وتهديدات القوارب المعادية. كل رحلة نقل كانت بمثابة مواجهة مباشرة مع الموت، وأثبت خلالها الجيش السوداني أنه حامي السيادة الوطنية وصاحب العزيمة التي لا تلين.
شهداء العمليات، من بينهم الرائد عادل والعديد من الجنود، هم رمز للصمود والإخلاص، ودماؤهم المليئة بالشجاعة تثبت أن الجيش السوداني قادر على مواجهة التحديات، ورد كيد الأعداء، مهما كانت قوة التمويل والدعم الخارجي لمليشياتهم.
الخلاصة: صمود الجيش السوداني ودرس للأجيال
عمليات النقل النهري من جبل أولياء إلى الشجرة العسكرية ومنطقة المهندسين، التي امتدت نحو سبعة أشهر، سجلت كأعظم وأخطر العمليات البحرية في تاريخ السودان الحديث.
هذه العمليات تدرس للأجيال، حيث أظهرت قدرة الجيش السوداني على الابتكار التكتيكي، الصمود تحت ضغط العدو، وضمان وصول الإمدادات الحيوية لمقاتليه.
العملية ليست مجرد تحرك عسكري، بل رمز لإصرار الجيش على حماية الوطن، والحفاظ على سيادته في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وبفضل هذه العمليات النوعية، تم إفشال خطط العدو البحرية، وتعزيز قوة الجيش في مواقع حيوية، مؤكدةً أن النيل الأبيض كان شاهداً على بطولة أبنائه وحماة أرضه.