عبدالماجد عبدالحميد | تحركات محسوبة لخلايا نائمة أعادت إنتاج شعارات الخراب في قلب الخرطوم
الثورة بعد التخزين الطويل.. بقايا تُبعث من الثلاجة
متابعات – عاجل نيوز
لم تكن التظاهرات التي خرجت اليوم في بعض أحياء العاصمة الخرطوم حدثًا عفويًا أو ردّة فعل آنية على واقعٍ معيشي أو سياسي، بل جاءت ضمن سيناريو مُعدّ سلفًا، جرى ترتيبه منذ فترة طويلة،.
بعناية واضحة في التوقيت والرسائل، ليتزامن مع ذكرى ما بات يُعرف بثورةٍ فقدت جمهورها وانفضّ عنها العقلاء قبل أن تُكمل دورتها.
اللافت أن هذه التحركات كشفت مجددًا عن وجود خلايا نائمة لما يُسمّى بالثورة المصنوعة، خلايا لم تنطفئ جذوتها كما ظن البعض، .
بل أعادت ترتيب أوراقها خلال فترة الحرب، مستفيدة من تدفقات مالية ضخمة قُدّرت بملايين الدولارات، دخلت عبر واجهات إنسانية ومبادرات ظاهرها الإغاثة وباطنها التمويل السياسي المنظّم.
وبحسب معطيات مؤكدة لدى الأجهزة المختصة، فإن جزءًا معتبرًا من هذه الأموال صُدّق له عبر منظمات دولية تحت مظلة دعم المتضررين ورعاية التكايا، قبل أن يتحوّل لاحقًا إلى وقود لتحريك الشارع وبناء شبكات تعبئة داخل العاصمة.
ولم يكن مستغربًا، في هذا السياق، أن يشارك في التظاهرات عدد من موظفي الدولة ومنسوبي مؤسسات حكومية، في مشهد أعاد إلى الأذهان صورًا قديمة لشعارات الهدم ذاتها، .
والأصوات نفسها التي اعتادت الإساءة للمؤسسة العسكرية والتطاول على الشرطة السودانية، في تناقض صارخ مع واقع الحرب التي دفعت البلاد ثمنها دمًا ودمارًا.
التحركات الأخيرة أكدت أيضًا أن التواصل بين ما يُعرف بالمليشيا السياسية للتمرد وأذرعها المدنية داخل الخرطوم لم ينقطع يومًا.
هذه المجموعات اختارت الصمت إبان الجرائم والانتهاكات، لكنها عادت اليوم إلى الواجهة، تهتف في شوارع مدينة جريحة، .
وتمنح غطاءً سياسيًا لمن أشعلوا الحرب، تحت لافتات مكرورة عن “المدنية” التي لم تجلب سوى الخراب.
الرسالة السياسية لتظاهرات اليوم كانت واضحة: محاولة إثبات وجود ظهير داخلي جاهز للتحريك عند الحاجة، واختبار لمدى قدرة هذه الشبكات على إعادة التموضع في المشهد العام.
غير أن الرسالة الأهم، والتي تجاهلها منظمو الحراك، أن الشارع الذي لفظ هذه المجموعات سابقًا لم ينسَ، ولم يعد قابلًا لإعادة تدوير ذات الشعارات مهما تغيّر الغلاف.
ما جرى اليوم ليس سوى بروفة أولية لامتحان قادم، تحاول فيه بقايا الثورة المصنوعة إثبات أنها ما زالت على قيد الحياة.
لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الذاكرة الشعبية أكثر وعيًا، وأن محاولات الإنعاش السياسي، مهما طال التخزين، لن تعيد مشروعًا سقط اجتماعيًا وأخلاقيًا إلى المشهد من جديد.