نحو الفصل الأخير.. كيف تُدار معركة الحسم ضد المليشيا؟
تقرير استراتيجي: انهيار منظومة الدعم السريع لوجستيًا
قراءة استراتيجية في كسر الإمداد وتشتيت القوة تمهيدًا للنهاية
متابعات – عاجل نيوز
تقرير استراتيجي | مكاوي الملك
ما يجري على مسرح العمليات لا يمكن قراءته باعتباره فوضى أو ارتباكًا، بل هو نموذج لإدارة معركة معقّدة بأدوات محسوبة، حيث تتقدم الصورة الجوية والتحركات الدقيقة على أي ضجيج إعلامي أو قراءة سطحية للمشهد.
التحركات التي تنفذها المليشيا في محاور متفرقة لا تعبّر عن توسع عملياتي حقيقي، بل تمثل انتشارًا اضطراريًا فرضته ضغوط دولية وتغيرات ميدانية قاسية، هدفها إظهار حضور شكلي في مناطق ذات قيمة عسكرية محدودة، بعد فقدان القدرة على الإمساك بالمراكز المؤثرة.
كسر الحركة لا كسر القوة
الضربات الجوية التي استهدفت خلال الأسابيع الماضية خطوط الإمداد العابرة للحدود لم تغيّر ميزان القوة العددي، لكنها أصابت جوهر الحركة، وهو ما يُعد العامل الحاسم في هذا النوع من الحروب. فالقوة التي تُحرم من الإمداد تُجبر على التشتت، ومع التشتت تفقد السيطرة، ومع فقدان السيطرة يبدأ الاستنزاف حتى الحسم.
ويمثل تحييد طريق دارفور – شرق ليبيا ضربة استراتيجية عميقة، إذ لم يكن هذا المسار مجرد خط تهريب، بل شريانًا لوجستيًا رئيسيًا يربط المليشيا بالبحر المتوسط، ويوفر لها الآليات الثقيلة والوقود والمعدات التي لا يمكن تعويضها عبر الجسور الجوية المحدودة.
انهيار الرئة الليبية
كانت ليبيا تمثل الرئة التي تضمن للمليشيا الاستمرار طويل الأمد، ومع إغلاق هذا المسار، تحولت أي محاولة للحركة إلى عبء ميداني.
وكل انتشار جديد بات يستهلك ما تبقى من الوقود والعتاد دون أفق عملياتي واضح، ما يجعل التقدم الظاهري شكلًا من أشكال الانتحار البطيء.
في هذا السياق، لا يمكن تفسير الصمت الرسمي باعتباره غيابًا، بل هو إدارة واعية للمعركة بعيدًا عن الإعلام، حيث يجري سحب المليشيا تدريجيًا نحو مساحات تفقدها ميزاتها التقليدية، وتسهّل عملية حسمها بأقل كلفة ممكنة.
معادلة الدولة: من القطع إلى الحسم
تتحرك الدولة وفق تسلسل واضح:
قطع الإمداد أولًا، ثم إنهاك الخصم، يلي ذلك تشتيته، وصولًا إلى لحظة الحسم.
ولهذا، فإن القلق الشعبي مفهوم، لكنه لا يعكس حقيقة المشهد الذي بات أوضح من أي وقت مضى: لا عودة للفوضى إلى ولايات الوسط، ولا وجود لخطوط إمداد آمنة، ولا معركة تُدار تحت الأضواء.
إن وصول قدرات الدولة، وعلى رأسها المسيّرات، إلى عمق الحدود الغربية ومدن دارفور بعد فترة طويلة من القتال، يمثل مؤشرًا استراتيجيًا على أن ملف المليشيا قد أُغلق عمليًا من حيث التوازن العسكري.
أما انتشارها الحالي في شمال دارفور وكردفان، دون إسناد لوجستي متصل أو خطة عملياتية متماسكة، فلا يمكن قراءته كعلامة قوة، بل كملامح الفصل الأخير في صراع حُسمت معادلته، وبات ينتظر لحظة الإعلان الميداني.