من الخراب الداخلي إلى التمدد الإسرائيلي: كيف تُفكَّك الدول العربية بأدوات محلية ووكلاء إقليميين؟
تفكيك الداخل وتمدد إسرائيل: حرب بلا جيوش
متابعات – عاجل نيوز
ما جرى في ليبيا والصومال لم يكن نتيجة فشل محلي عابر ولا اضطرابًا سياسيًا عشوائيًا، بل جاء ضمن مسار مدروس استثمرت فيه إسرائيل أخطاء الداخل وخلافاته،
وحوّلت التناقضات الداخلية إلى أدوات تفكيك ذاتي، مستخدمة وكلاء محليين وأذرعًا إقليمية وأدوات دولية لتفريغ الدولة من معناها دون الحاجة إلى غزو مباشر أو مواجهة تقليدية.
الفكرة الجوهرية في هذا المشروع تقوم على مبدأ بسيط وخطير في آن واحد، وهو أن الدولة التي تُفكك من الداخل تسقط بأيدي أبنائها قبل أن تصلها يد العدو، .
لذلك جرى تحويل الخلافات السياسية والقبلية والاجتماعية إلى صراعات مسلحة طويلة الأمد، تُدار تحت عناوين براقة تخفي في جوهرها وظيفة واحدة هي كسر السيادة وشلّ الجيش وإبقاء الدولة في حالة عجز دائم.
في ليبيا والصومال تكرّر النموذج نفسه بصور مختلفة، حيث جرى إضعاف المؤسسات العسكرية الوطنية، وتجريد الدولة من احتكار القوة، وشرعنة السلاح خارج الإطار الرسمي، .
ثم إعادة تعريف المليشيات باعتبارها حماة للمجتمع أو ممثلين للثورة أو بدائل اضطرارية، بينما كانت وظيفتها الحقيقية منع قيام الدولة لا حمايتها، واستنزاف الموارد والطاقات، وفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية.
هذا التفكيك لم يكن ممكنًا دون دور إقليمي نشط، حيث تحوّل المال من أداة تنمية إلى سلاح سياسي، تُشترى به الولاءات وتُدار به الانقسامات وتُموّل به الحروب بالوكالة، .
في مشهد جعل بعض العواصم تؤدي دور الوسيط التنفيذي لمشاريع لا تخدم الأمن القومي العربي ولا الاستقرار الإقليمي، بل تصب مباشرة في مصلحة المشروع الإسرائيلي طويل المدى.
وبينما انشغلت العواصم العربية والأفريقية بحروب داخلية مفتوحة وصراعات هامشية مُستنزِفة، وجدت إسرائيل نفسها في أفضل لحظات حريتها الاستراتيجية،.
تضرب في لبنان دون أن تُواجَه بمعادلة ردع حقيقية، وتتمدد في سوريا بهدوء، وتفرض قواعد اشتباك جديدة، وتعيد تشكيل الجغرافيا الأمنية للمنطقة دون أن تدفع ثمنًا إقليميًا يُذكر، .
لأن الجيوش مشغولة في الداخل والدول منهكة والسيادة مثقوبة من الداخل.
الأخطر في هذا المشهد أن بعض القوى المحلية التي تلعب دور التفكيك ترفع شعارات وطنية أو ثورية أو حتى دينية، .
لكنها عمليًا تؤدي وظيفة تصب في خدمة تل أبيب، لأن النتيجة النهائية واحدة مهما اختلف الخطاب، وهي دولة ضعيفة، وجيش مشلول، ومجتمع منقسم، وحدود مفتوحة أمام التدخل الأجنبي.
الحقيقة التي لا تحتمل التجميل أن من يفكك الدولة يخدم إسرائيل، حتى لو رفع ألف شعار، لأن المعركة لم تعد تُدار على خطوط التماس التقليدية،.
بل في قلب الدولة نفسها، في بنيتها ومؤسساتها ووحدة قرارها.
ما نشهده اليوم ليس أزمات منفصلة بل مشروعًا واحدًا متعدد الأدوات، تُستبدل فيه الجيوش بالمليشيات، والمواجهة بالفوضى،.
والسيادة بالوصاية، ليُعاد تشكيل الشرق الأوسط على مقاس القوة الأكثر تماسكًا واستقرارًا في الإقليم.
وحده الوعي بهذه المعادلة، وحماية الدولة الوطنية، واستعادة دور الجيوش، وفضح وكلاء التفكيك مهما تلونت شعاراتهم، .
يمكن أن يشكّل بداية كسر هذا المسار، لأن المعركة الحقيقية لم تعد عند الحدود، بل في قدرة الدول على البقاء دولًا.