أردوغان في أديس أبابا: إنذار أخير قبل إعادة رسم التوازنات
زيارة أردوغان إلى أديس أبابا ورسائل تركيا لإثيوبيا والإمارات
زيارة مفصلية تحمل رسائل ردع وتحذيرات حاسمة لإثيوبيا بشأن تحالفاتها الإقليمية
متابعات – عاجل نيوز
في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في زيارة وُصفت بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتبدل التحالفات في منطقة القرن الإفريقي.
وتأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الدقة، ما جعل مراقبين يعتبرونها “القطار الأخير” قبل مرحلة جديدة من الصدام أو إعادة التموضع.
وبحسب مصادر سياسية، فإن أردوغان كان من المقرر أن يبدأ جولته الإقليمية من الإمارات العربية المتحدة، غير أن تعديل المسار والتوجه مباشرة إلى إثيوبيا يحمل رسالة واضحة بأن أنقرة باتت ترى في أديس أبابا نقطة ارتكاز رئيسية في معادلة الصراع والنفوذ بالمنطقة، وأن الحوار التقليدي لم يعد كافيًا لمعالجة الملفات العالقة.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الزيارة لم تعد مجرد جولة تفاوض دبلوماسية، بل تمثل إنذارًا سياسيًا مباشرًا لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، مفاده أن الاستمرار في بعض التحالفات الإقليمية قد يجر البلاد إلى مواجهة مفتوحة مع قوى كبرى، في مقدمتها تركيا وحلفاؤها.
ويحمل أردوغان، وفق مصادر مطلعة، عدة ملفات شائكة على طاولة المباحثات، من أبرزها ملف المعسكرات العسكرية غير النظامية، وملف التعبئة الداخلية في إثيوبيا، إضافة إلى ملف الوجود والنفوذ في مناطق الساحل والبحر الأحمر، وامتداداته في الصومال. كما تتضمن الأجندة رسالة تحالف ردع واضحة، تهدف إلى كبح أي تحركات قد تهدد المصالح التركية أو توازن القوى في الإقليم.
ويرى محللون أن أنقرة باتت تشعر بقلق متزايد من التمدد الإماراتي في القرن الإفريقي، وما يصاحبه من دعم سياسي وعسكري لبعض الأطراف المحلية، معتبرين أن هذا التمدد يشكل تحديًا مباشرًا لنفوذ تركيا ومصالحها الاستراتيجية، سواء في الموانئ أو القواعد العسكرية أو المشاريع الاقتصادية.
وفي هذا السياق، تُقرأ زيارة أردوغان باعتبارها محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع إثيوبيا، وإجبارها على مراجعة خياراتها الإقليمية. فأنقرة لا تريد خسارة شريك مهم بحجم أديس أبابا، لكنها في الوقت ذاته ترفض أن تتحول إثيوبيا إلى منصة تنافسية تعمل ضد مصالحها وحلفائها.
كما تؤكد مصادر دبلوماسية أن القيادة التركية تسعى من خلال هذه الزيارة إلى توسيع دائرة التنسيق الأمني، خاصة في ظل تنامي التهديدات العابرة للحدود، وازدياد نشاط الجماعات المسلحة، وتفاقم أزمات النزوح والمجاعة في عدة مناطق من الإقليم.
ومن جانب آخر، تواجه الحكومة الإثيوبية ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، سواء بسبب التحديات الاقتصادية، أو الملفات العرقية، أو تداعيات الصراعات السابقة. ولذلك، فإن أي مواجهة إقليمية جديدة قد تمثل عبئًا إضافيًا يصعب تحمله في المرحلة الحالية، وهو ما يدركه أردوغان جيدًا عند توجيه رسالته السياسية.
وتذهب بعض القراءات إلى أن تركيا تسعى أيضًا لتعزيز موقعها كشريك موثوق في مشاريع التنمية والبنية التحتية في إثيوبيا، مقابل تقليص نفوذ أطراف أخرى. فأنقرة تدرك أن النفوذ الاقتصادي أصبح اليوم أداة رئيسية في إدارة الصراعات، لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.
وفي المقابل، يدرك آبي أحمد أن تجاهل الرسالة التركية قد يضع بلاده أمام سيناريوهات معقدة، تشمل ضغوطًا دبلوماسية، وتراجعًا في التعاون الأمني، وربما تصعيدًا غير مباشر عبر ملفات إقليمية حساسة.
وفي الخلاصة، تمثل زيارة أردوغان إلى أديس أبابا محطة فاصلة في مسار العلاقات الإقليمية، ورسالة واضحة بأن مرحلة المجاملات السياسية تقترب من نهايتها. فالمنطقة تتجه نحو إعادة رسم خرائط النفوذ، ومن لا يحسن قراءة اللحظة قد يجد نفسه خارج المعادلة.
وبين طائرة رئاسية في الجو، وملفات ثقيلة على الطاولة، تبدو الأيام المقبلة مرشحة لحمل تطورات كبرى، قد تحدد شكل التوازنات في القرن الإفريقي لسنوات قادمة.