عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
راتب الـ44 مليوناً وسر تغيّر سياسات البنك.. عادل الباز يرد على منتقدي آمنة ميرغني تطورات صادمة ... قبل بلوغ الدبة.. اعتقال قائد بارز بالمليشيا حاول تسليم نفسه للجيش دفاعاً عن آمنة ميرغني.. عادل الباز يرد على منتقدي راتب محافظ بنك السودان اعترافات مرتزق كولومبي تكشف طريق المقاتلين الأجانب إلى نيالا عمليات نصب واسعة تستهدف السودانيين في مصر عبر تطبيق «بنكك».. والإمساك بأحد المحتالين واسترداد الأموا... مسيرة انتحارية تستهدف منزل قيادي رفيع بالقوة المشتركة في الأبيض.. ونجاته بأعجوبة بأوامر من أدم قارح .. جـ ريمة مروعة في منطقة أم هجيليج بدار الزيادية .. تصـ.فية 11 شاباً من أبناء ال... الكتلة الديمقراطية في تصريح صحفي حاسم: لن نعود إلى الماضي تحت لافتة الحوار ولن نقبل بصفقات إعادة توز... صاحب سيارة «التوسان» يروي تفاصيل واقعة شارع النيل بأمدرمان ويكشف ملابسات الفيديو المثير للجدل مشروع عقبة ياس.. صراع النفوذ يكشف أزمات شرق السودان

نصف مليون مقاتل أم حرب أرقام؟ ما حقيقة حجم قوات الدعم السريع

حقيقة عدد قوات الدعم السريع.. هل بلغوا نصف مليون؟

قراءة تحليلية في التقديرات المتداولة بين الدعاية العسكرية والواقع الميداني

 

متابعات –عاجل نيوز 

 

تتكرر في الحروب ظاهرة “تضخيم الأرقام” بوصفها أحد أسلحة المعركة النفسية، إذ تصبح الأعداد جزءًا من الدعاية بقدر ما هي جزء من الحسابات العسكرية.

وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت تصريحات تتحدث عن وصول عدد قوات الدعم السريع إلى نصف مليون مقاتل، وهو رقم أثار جدلًا واسعًا بين المراقبين العسكريين، لاسيما عند مقارنته بالمعطيات الميدانية المتاحة، وصور الأقمار الصناعية، وأنماط الحشد والتحرك التي تم رصدها منذ أواخر عام 2024.

القراءة التحليلية لهذه المزاعم تشير إلى فجوة واضحة بين الخطاب التعبوي والواقع العملياتي. فالحشود التي جرى الترويج لها تحت مسمى “متحركات الطوفان” ظهرت للمرة الأولى في الربع الأخير من عام 2024، واستمر تجهيزها بشكل متقطع حتى مطلع فبراير 2026.

هذه المتحركات، التي انتشرت مقاطع مصورة لها وهي تعبر الصحراء في تشكيلات طويلة من العربات القتالية الخفيفة، بدت – عند إخضاعها للتقدير الكمي – أقل بكثير من الأرقام التي يجري تداولها إعلاميًا.

التقديرات العسكرية عادة ما تعتمد على عناصر قابلة للقياس: عدد المركبات، كثافة الانتشار، خطوط الإمداد، وزمن إعادة الإنتاج القتالي. وبالاستناد إلى هذه المعايير، يمكن بناء نموذج تقريبي لحجم القوة.

فإذا افترضنا أن كل متحرك يتكون من ست مجموعات قتالية، وأن كل مجموعة تضم نحو 60 مركبة، بينما تحمل المركبة الواحدة في المتوسط خمسة أفراد، فإن إجمالي القوة البشرية للمتحرك الواحد لا يتجاوز في الغالب حدود 2,000 إلى 2,500 مقاتل.

وبتتبع عدد هذه المتحركات التي دخلت فعليًا إلى مسرح العمليات داخل السودان خلال الفترة من نهاية 2024 وحتى بداية 2026، يتضح أن العدد الإجمالي يقترب من تسعة متحركات رئيسية، تعرض معظمها للاستنزاف المباشر فور دخوله خطوط الاشتباك.

وهذا يعني – حسابيًا – أن مجمل القوة الناتجة عن هذه الدفعات لا يمكن أن تتجاوز بضعة عشرات الآلاف، حتى في أفضل حالات التقدير التراكمي، وليس مئات الآلاف كما يُشاع.

المعطيات الميدانية تدعم هذا الاستنتاج. فالمتحركات الخمسة الأولى تعرضت لتفكك كبير تحت الضغط القتالي، خاصة في محيط الفاشر، حيث أدت المواجهات العنيفة إلى تشتيت تشكيلاتها وفقدان تماسكها اللوجستي. أما المتحرك السادس، فقد تدهورت قدرته القتالية خلال معارك جبل أبو سنون غرب الأبيض، وهي معركة كشفت – بحسب مراقبين – هشاشة التدريب وضعف الانسجام بين العناصر المقاتلة.

التحول اللافت ظهر في المتحركات الثلاثة الأخيرة، حيث برز نمط مختلف في التجنيد. فقد أشارت تقارير ميدانية إلى إدخال عناصر جرى تجنيدها قسرًا، بعضهم من مراكز احتجاز في نيالا، في ظل تراجع الإقبال الطوعي على الانضمام.

هذه العناصر خضعت لتدريب محدود لم يتجاوز أيامًا معدودة قبل الدفع بها مباشرة إلى الجبهات، وهو ما انعكس على أدائها القتالي وعلى سرعة انهيار بعض المحاور التي شاركت فيها.

هذا النمط من “التغذية البشرية السريعة” عادة ما يكون مؤشرًا على وجود نقص حاد في القوى المقاتلة المدربة، إذ تلجأ التنظيمات العسكرية إلى سد الفراغ العددي على حساب الكفاءة.

وفي مثل هذه الحالات، تبدو الأرقام الكبيرة على الورق، لكنها لا تتحول إلى قوة حقيقية على الأرض، لأن القدرة القتالية لا تُقاس بعدد الأفراد فقط، بل بمستوى التدريب والانضباط وسلاسة القيادة والسيطرة.

من الناحية اللوجستية، فإن نقل قوات بأعداد ضخمة يتطلب بنية إمداد معقدة تشمل الوقود، والذخائر، والصيانة، والاتصالات، والخدمات الطبية.

غير أن مسارات التحرك التي تم رصدها أظهرت اعتمادًا شبه كامل على الانتقال المباشر من نقاط التجميع إلى جبهات القتال دون مراحل تثبيت أو إعادة تنظيم، وهو سلوك يعكس استعجال الدفع بالقوات لتعويض خسائر، لا بناء جيش عددي ضخم كما يتم الترويج له.

كما أن دخول هذه المتحركات عبر المسارات الصحراوية من الاتجاه الغربي، ووصولها إلى مناطق مثل قاعدة الزرق في شمال دارفور قبل توزيعها سريعًا على محاور كردفان وشمال دارفور، يشير إلى أن القوة الوافدة كانت تُستخدم لتعزيز الجبهات المتآكلة أكثر من كونها احتياطيًا إستراتيجيًا كبيرًا.

وهذا ما يفسر تراجعها السريع في بعض المعارك الأخيرة، خاصة قبل فك الحصار عن الدلنج وكادوقلي.

في السياق نفسه، برزت تقديرات تتحدث عن تدريب مجموعات محدودة خارج السودان، من بينها نحو 1200 عنصر جرى إعدادهم في تشاد وفق تصريحات سابقة لمسؤولين هناك.

وحتى إذا أُضيفت هذه الأعداد إلى مجمل القوة، فإنها تظل ضمن نطاق التعزيزات المحدودة، ولا تُحدث قفزة رقمية تقترب من مئات الآلاف.

التحليل العسكري المقارن يوضح أن الوصول إلى قوة قوامها نصف مليون مقاتل يتطلب منظومة تجنيد وطنية واسعة، ومراكز تدريب ثابتة، وهيكل قيادة متدرج، واقتصاد حرب قادر على تمويل هذا الحجم، وهي شروط لا تظهر مؤشرات تحققها في الواقع العملياتي المرصود.

بل إن المؤشرات تسير في الاتجاه المعاكس، حيث يتضح الاعتماد المتزايد على عناصر غير نظامية، والتدوير السريع للمقاتلين، وتآكل الكتلة الصلبة ذات الخبرة.

لهذا، يرى خبراء أن الأرقام المتداولة تقع ضمن إطار الحرب الإعلامية التي تهدف إلى رفع المعنويات وبث صورة “التمدد العددي”، في مقابل التأثير النفسي على الخصم.

غير أن ميزان القوى في النزاعات الحديثة لا يُحسم بالحشود غير المنضبطة، بل بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض، وإدارة العمليات لفترات طويلة، والحفاظ على خطوط الإمداد، وهي عوامل أظهرت التجربة أنها أكثر حسماً من تضخيم الأعداد.

في المحصلة، تشير الحسابات المستندة إلى تتبع المتحركات، وعدّ المركبات، وتحليل مسارات الإمداد، ونتائج الاشتباكات، إلى أن العدد الفعلي للمقاتلين يظل أقل بكثير من السقف الذي يتم الترويج له.

وبينما تبقى كل الأرقام التقديرية عرضة للمراجعة في ظل ضبابية الحرب، فإن المؤكد أن الحديث عن مئات الآلاف لا يجد ما يسنده ميدانيًا حتى الآن.

وهكذا، تبدو “حرب الأرقام” موازية لحرب الميدان: الأولى تُدار بالتصريحات والانطباعات، والثانية تُحسم بالقدرة الفعلية على القتال والصمود.

والتاريخ العسكري يبين أن الفارق بينهما غالبًا ما يكون هو الفارق بين الصورة الدعائية والواقع الذي ترسمه الوقائع على الأرض.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.