محامو الطوارئ وثقافة “الكنكشة”.. هل تغلبت الوسيلة على فكرة الدفاع عن الحقوق؟
أزمة المكتب التنفيذي لمحامي الطوارئ ومقال المحامية شادية الشيخ
شادية الشيخ تدعو لاحترام العمل المؤسسي وتنتقد استنزاف الطاقة في صراعات المواقع
متابعات – عاجل نيوز
بقلم: شادية الشيخ (المحامية والمدافعة عن الحقوق)
في خضم الجدل الدائر هذه الأيام حول المكتب التنفيذي لـ محامو الطوارئ، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: لماذا يصعب علينا في السودان مغادرة المواقع العامة، حتى عندما يصبح البقاء فيها سبباً في تعقيد الأمور بدلاً من حلها؟ أتحدث هنا من تجربة شخصية، فقد كنت عضوة في المكتب التنفيذي في مرحلة سابقة واستقلت منه قبل وقت طويل، لا من باب التبرؤ من المسؤولية، بل لأن التجربة تستحق التأمل؛ فخلال تلك الفترة لم يكن العمل في المكتب امتيازاً، بل كان عبئاً حقيقياً على الوقت والمهنة والحياة الخاصة، يبذله الجميع لتأسيس جسم مهني قادر على الدفاع عن الحريات.
خلل الوسيلة وغياب الفكرة
إن المشكلة الحقيقية تكمن في ثقافة راسخة تجعل الموقع العام غاية في ذاته، حتى لو كان الثمن تعطيل العمل أو إرباك المؤسسة. الحقيقة أبسط من ذلك؛ فالمواقع في العمل العام وسيلة لخدمة فكرة أكبر، وعندما تصبح الوسيلة أهم من الفكرة، فهذا خلل كبير.
الجسم الذي نشأ أصلاً للدفاع عن الحقوق والحريات لا يليق به استهلاك طاقته في صراع حول الكراسي، لأن جوهره هو حماية الحق والانحياز للناس في مواجهة التعسف، لا الانشغال بصراعات داخلية تستنزف الجهد وتبدد الطاقة وتجعلنا نقع في ذات الدائرة التي ننتقدها في غيرنا.
لحظة اختبار للمؤسسية والتجدد
ما يواجهه محامو الطوارئ اليوم هو لحظة اختبار حقيقية: هل نؤمن فعلاً بثقافة العمل المؤسسي التي نطالب بها الآخرين؟ .
أي جسم طوعي يجب أن يكون مثالاً للعدالة والانضباط داخلياً قبل أن يمتد تأثيره للمجتمع. فالمؤسسات القوية تُقاس بقدرتها على التجدد واحترام إرادة المجموعة وتقديم المصلحة العامة فوق أي خلاف شخصي.
وفي نهاية الأمر، تبقى الحقيقة هي أن المواقع تزول مهما طال البقاء فيها، لكن ما يبقى هو الأثر، واحترام إرادة الجماعة، والوفاء لفكرة العمل العام، والانحياز الدائم للحق والحريات.