محصول ينعش دخل المزارعين ويغيّر مزاج المجالس
متابعات –عاجل نيوز
محبتي عزوز
في مشهدٍ يومي يتكرر في قرى مشروع الجزيرة، يقف المزارع متأملاً أرضه التي طالما عُرفت بأنها سلة غذاء السودان، لكنه اليوم يجد نفسه أمام معادلة مختلفة: بين محصولٍ يُقاس بالعائد المالي، وآخر يُقاس أيضاً بتأثيره الاجتماعي والنفسي.
هنا يبرز التمباك في مشروع الجزيرة كظاهرة اقتصادية واجتماعية تستحق التوقف عندها، ليس فقط باعتباره محصولاً زراعياً، بل بوصفه جزءاً من نمط الحياة اليومية.
في الأسواق المحلية والمجالس الريفية، لم يعد الحديث يدور حول الإنتاجية التقليدية وحدها، بل باتت قيمة المحصول تقاس أحياناً بمدى حضوره في الجلسات المسائية.
ويشير مزارعون إلى أن التمباك في مشروع الجزيرة أصبح يمثل خياراً عملياً في ظل تقلبات أسعار المحاصيل الأخرى، خاصة أنه لا يتطلب استثمارات كبيرة مقارنة ببعض الزراعات النقدية.
هذا الواقع جعل كثيرين يرونه ملاذاً اقتصادياً سريع العائد، حتى وإن كان ذلك يطرح تساؤلات حول مستقبل التوازن الزراعي في المنطقة.
وخلال جولة ميدانية، يلفت الانتباه أن حسابات الموسم الزراعي لم تعد تقتصر على عدد الجوالات أو حجم الأرباح، بل امتدت إلى مؤشرات اجتماعية مثل “رضا المزاج العام” داخل المجتمعات الريفية.
فالمزارع الذي ينجح في تحقيق إنتاج جيد من التمباك في مشروع الجزيرة لا ينظر إلى ذلك كإنجاز اقتصادي فحسب، بل كعامل يعزز مكانته داخل محيطه الاجتماعي، حيث تُدار النقاشات اليومية حول الجودة والمصدر وطرق المعالجة.
ورغم هذا الانتشار، تبقى هناك وجهات نظر رسمية تدعو إلى تنظيم زراعة هذا المحصول وضبط استخداماته، باعتباره مورداً يمكن أن يساهم في دعم الدخل المحلي إذا ما تم استثماره بشكل متوازن.
وتشير بعض التقديرات إلى أن التمباك في مشروع الجزيرة قد يفتح فرصاً جديدة في مجالات التصنيع الزراعي والتسويق، ما يضيف بعداً اقتصادياً إضافياً يتجاوز الاستهلاك المحلي.
غير أن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الدور الاقتصادي لهذا المحصول وبين الحفاظ على هوية المشروع الزراعية التاريخية، التي ارتبطت بإنتاج الغذاء والمحاصيل الاستراتيجية.
فبينما يرى البعض أن التوسع في زراعة التمباك يعكس قدرة المزارعين على التكيف مع الظروف الاقتصادية، يعتبر آخرون أن ذلك قد يؤثر على أولويات الإنتاج الزراعي في المدى الطويل.
في المحصلة، يظل التمباك في مشروع الجزيرة نموذجاً لمفارقة سودانية لافتة: محصولٌ يجمع بين الحسابات الاقتصادية والانفعالات اليومية، ويعكس في الوقت ذاته قدرة المجتمعات الريفية على إعادة تشكيل أولوياتها وفقاً لمعطيات الواقع.
وبين الأرقام التي تُحسب في دفاتر النهار والأحاديث التي تُدار في أمسيات القرى، يستمر هذا المحصول في فرض حضوره كلاعب مؤثر في المشهد الزراعي والاجتماعي معاً.