بين عتمة البيوت وازدهار الطاقة الشمسية.. شول لام دينق يكتب لرئيس مجلس السيادة: “الدول تنهار بالشك”
أزمة الكهرباء في السودان: رسالة من صحفي جنوبي إلى البرهان حول "تجارة الظلام"
مراقب من جنوب السودان يفكك شفرة انقطاع التيار الكهربائي في الخرطوم والولايات.. هل هي أعطال فنية أم “أزمة مُدارة” لصالح بدائل مكلفة؟
متابعات – عاجل نيوز
بقلم: شول لام دينق
من زاوية قد لا تبدو مألوفة في بروتوكولات المخاطبات الرسمية، ولكنها الأكثر صدقاً في ميزان الواقع، أكتب إليكم سيدي رئيس مجلس السيادة السوداني.
أنا شول لام دينق، صحفي من دولة جنوب السودان، مقيم في “السودان الشمالي”، أراقب وأكتب وأحاول فهم هذا البلد الذي يسكنني رغم الحدود، ولم تغادره روحي رغم المسافات.
ما أسجله اليوم ليس شأناً محلياً ضيقاً، بل هو قضية تمس جوهر الدولة، ومعنى الحكم، وحدود المسؤولية الأخلاقية.
رسائل العتمة الغامضة.
في مختلف بقاع العالم، تقطع الكهرباء لأسباب فنية معلنة وجداول مفهومة، أما في السودان، فإنها تقطع كأنها “رسالة غامضة”، قاسية وطويلة بلا تفسير مقنع أو جدول يحترم.
لم تعد العتمة هنا مجرد انقطاع تيار، بل تحولت إلى حالة عامة تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد، الصحة، التعليم، وحتى كرامة الإنسان السوداني الذي بات يبحث عن الضوء كحلم بعيد المنال.
كمراقب لا ينتمي للصراع الداخلي، أقول بوضوح: إن ما يحدث يتجاوز حدود “الأعطال الفنية”. هناك نمط متكرر وتوقيت مريب يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من إجابات.
وحين يتزامن هذا الانقطاع المرهق مع ازدهار لافت وغير مسبوق لتجارة “منظومات الطاقة الشمسية”، فإن المشهد يصبح أكثر تعقيداً ويطرح تساؤلاً مشروعاً: هل يُدفع المواطن دفعاً نحو بدائل باهظة الثمن.
تآكل الثقة وانهيار الدول
سيدي الرئيس، الدول لا تنهار فقط بسبب الفساد المؤكد، بل بسبب “الشك غير المجاب عليه”.
حين يشعر المواطن أن أزماته المعيشية قد تكون “مُدارة” أو مستغلة من قبل جماعات مصالح، فإن الثقة في مؤسسات الدولة تتآكل. وحين تتآكل الثقة، يصبح أي مسعى للإصلاح لاحقاً بلا قيمة.
أرى من موقعي شعباً يُجبر على حلول مكلفة في وقت يعاني فيه من ضيق اقتصادي خانق.
أرى كهرباء تُقطع، وسوقاً موازية تُفتح، ومواطناً يُترك وحيداً في مواجهة العتمة والفاتورة. هذه ليست معادلة طبيعية، بل اختلال يحتاج إلى تفسير عاجل وقرار شجاع.
مطالب بالشفافية لا التطمين
ما تحتاجه هذه القضية اليوم ليس بيانات إنشائية، بل موقفاً حازماً وتحقيقاً شفافاً يُعلن للرأي العام: من المسؤول عن إدارة هذا الملف؟ كيف تتخذ قرارات القطوعات؟ ولماذا يبدو أن البدائل تُفرض كأمر واقع؟ هذه الأسئلة لا يطرحها المعارضون، بل يطرحها كل سوداني يجلس الآن في الظلام.
إن استقرار السودان هو استقرار للمنطقة بأكملها. إن إنارة بيت سوداني واحد تعني أن الدولة ما زالت حاضرة ومسؤولة.
أما استمرار الصمت، فإنه يُفسر دائماً لصالح أسوأ الاحتمالات. سيدي الرئيس، التاريخ لا يسجل الأعذار مهما كانت منطقية، بل يسجل المواقف التي غيرت حياة الناس.