الكاتب علي الهاشمي يتناول مسيرة أوشي المهنية وتداعيات الحكم الأخير في مقال بعنوان “حين يدخل الحرف السجن”
متابعات – عاجل نيوز
في الأوطان المتعبة، لا يصبح الصحفي مجرد ناقل خبر…
بل يتحول أحياناً إلى جدار أخير يحاول أن يمنع سقوط الحقيقة.
وفي السودان، خلال السنوات الأخيرة، لمع اسم الصحفية السودانية رشان أوشي بوصفها واحدة من أكثر الأصوات حضوراً وإثارةً للجدل، ليس لأنها كانت تبحث عن الشهرة، بل لأنها اختارت الطريق الأصعب: طريق الاقتراب من الملفات الحساسة، والكتابة فوق أرضٍ مليئة بالألغام.
وخلال الأيام الماضية، ضجت الأسافير السودانية والعربية بخبر الحكم عليها بالسجن والغرامة المالية في قضية متعلقة بالنشر الإلكتروني.
وبين مؤيد للحكم، ومتعاطف معها، ومتوقف عند تفاصيل القضية القانونية، بقي أمر واحد واضحاً لا خلاف حوله:
أن رشان أوشي لم تكن يوماً صوتاً عابراً في المشهد الإعلامي السوداني.
لقد عرفها الناس،،، سواء اتفقوا معها أو اختلفوا،، صحفيةً تكتب بجرأة، وتقتحم الملفات الشائكة، وتواجه مراكز النفوذ دون كثير حسابات للمكاسب أو الخسائر.
وفي زمنٍ اختار فيه كثيرون الصمت، أو غادروا إلى المنطقة الرمادية، أو باع بعضهم مواقفه مقابل المال والاصطفاف السياسي، ظلت هي،،، بحسب ما يراه مؤيدوها،، متمسكة بما تعتبره واجباً مهنياً ووطنياً، خصوصاً في موقفها المعلن الداعم للقوات المسلحة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ولعل ما جعل اسمها حاضراً بقوة، ليس فقط كتاباتها، بل طبيعة الشخصية نفسها:
امرأة تخوض معاركها بقلم مباشر، وتفتح ملفات فساد، وتكتب بلغة لا تعرف كثيراً فنون المواربة.
وقد ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بعدد من التحقيقات والكتابات الناقدة لقضايا الفساد والانفلات الإداري والأمني.
وفي المقابل، فإن القضية التي صدر فيها الحكم،، وفق ما نشرته وسائل إعلام سودانية،،، استندت إلى اتهامات رأت المحكمة أن الصحفية لم تقدم عليها بينات كافية وفق الإجراءات القانونية المتبعة.
وهنا، لا بد من احترام مسار القضاء والإيمان بحق الجميع في التقاضي والاستئناف، فالدولة التي نريدها هي دولة قانون، لا دولة تصفية حسابات.
لكن، وفي الوقت ذاته، من حق الناس أيضاً أن يتساءلوا:
هل تُختزل تجربة صحفية كاملة في قضية واحدة؟؟!!!
وهل تُنسى عشرات الملفات التي أثارتها، وعشرات المواقف التي دفعت ثمنها مهنياً وشخصياً؟؟؟!!!!
إن الصحافة الحقيقية ليست مهنة مريحة.
والصحفي الذي يقترب من مناطق النفوذ دائماً يدفع أثماناً باهظة، أحياناً بالتشويه، وأحيانًا بالملاحقة، وأحياناً بالسجن نفسه.
ولذلك، فإن التاريخ لا يتذكر فقط الأحكام القضائية… بل يتذكر أيضاً المواقف.
فكم من قادة ورموز ومفكرين دخلوا السجون ثم خرجوا أكثر حضوراً وتأثيراً،.
دخل نيلسون مانديلا السجن سبعةً وعشرين عاماً، فخرج رمزاً عالمياً للحرية.
ودخل أحمد بن بلة المعتقل خلال مسيرة التحرر الجزائرية، ولم يُنهِ السجن حضوره في الذاكرة الوطنية.
وسُجن جمال خاشقجي سابقاً ومُنع من الكتابة قبل أن يصبح اسمه قضية رأي عالمي مرتبطة بحرية الصحافة.
وفي السودان نفسه، عرف التاريخ صحفيين وكتّاباً وسياسيين مروا عبر الزنازين، لكن أسماءهم بقيت في ذاكرة الشعوب أكثر من أسماء كثير من جلاديهم.
وربما المفارقة الأغرب في قضية رشان أوشي، أن اسمها أصبح اليوم أكثر تداولاً من اسم الشاكي نفسه.
فالأسافير تتحدث عنها، والناس يناقشون تجربتها، والجدل يتوسع حول معنى الصحافة ودورها وحدودها، بينما يتراجع كل شيء آخر أمام حضور الاسم نفسه.
وربما هنا تكمن قوة التأثير الحقيقي:
أن يتحول الإنسان من مجرد صحفي إلى (فكرة).
وفكرة الإعلام الحر لا تموت بسهولة.
إن الإعلام الذي تُمثله رشان أوشي،، في نظر محبيها،، ليس إعلام العلاقات العامة، ولا إعلام التطبيل، بل إعلام السلطة الرابعة؛ الإعلام الذي يراقب، ويصحح، ويكشف، ويزعج أحياناً.
وهذا النوع من الإعلام، مهما اختلف الناس حول بعض أساليبه أو تقديراته، يبقى ضرورة لأي وطن يريد أن ينهض بالحقيقة لا بالكذب، وبالوضوح لا بالتدليس.
وربما أخطأت رشان التقدير في هذه القضية، فهذا وارد في العمل الصحفي والإنساني، لكن كثيرين يرون أنها أصابت في ملفات كثيرة أخرى، ودفعت ثمن اقترابها من مناطق لا يقترب منها كثيرون.
ولذلك، فإن التعاطف معها اليوم لا يعني رفض القانون، بل يعني الاعتراف برحلة طويلة من الحضور المهني والوطني.
أختنا رشان…
ربما يتحول هذا السجن يوماً إلى مجرد فصل في حكاية أكبر.
حكاية صحفية سودانية اختارت أن تكون صوتاًعالياً في زمن الصمت.
وغداً حين تهدأ هذه العواصف، قد يصبح ما حدث كتاباً يُقرأ، وتجربة تُدرَّس، وقصة تلهم من يأتون بعدك.
فإن كان الجهاد بالنفس والمال والكلمة…
فقد جاهدتِ بما تملكين، وربما أكثر.
ونحن،،، مهما اختلفنا في التفاصيل،، نبقى فخورين بأن في السودان صحفيين وصحفيات ما زالوا يؤمنون أن للكلمة قيمة… وأن للحقيقة ثمناً.
وغداً…
سيبقى الوطن،
وستبقى الكلمة،
أما السجون… فغالباً لا تتذكرها الشعوب طويلاً.
Alialhashemi444@gamil.com