الخماسية في مواجهة الشرعية .. ما هي خيارات السودان لتجفيف “مسار أديس” ..؟
تحليل سياسي لمسار أديس أبابا وتأثيره على الشرعية السودانية
الخماسية في مواجهة الشرعية: خيارات السودان لتجفيف “مسار أديس”
متابعات – عاجل نيوز
الشاذلي المادح
بين التخطيط الأوروبي و التمويل الإقليمي يثير (مؤتمر الخماسية) في أديس أبابا معضلة صناعة المنصات الموازية التي تتجاوز الشرعية السيادية للسودان ..
إن تشريح هذا المشهد يستدعي قراءة مواقف القوى الدولية و الإقليمية الفاعلة خارج النفوذ الغربي، إلى جانب إستعراض الرؤية المغايرة لتيار متنامٍ من الخبراء و الإستراتيجيين الغربيين الذين يفككون (وهم الحلول المستوردة) و يحذرون من خطر هذه الأليات في إعادة إنتاج الأزمة و تفكيك الدولة بدلاً من حلها .
مواقف القوى الدولية (روسيا و الصين).
إذا قررت الدولة السودانية رفض مخرجات هذا المسار و الإستناد إلى حلفائها في مجلس الأمن فإن الحسابات الإستراتيجية لكل من موسكو و بكين تتحرك وفق الآتي :
روسيا .. تنطلق موسكو في سياستها تجاه السودان من رفض قاطع لأي أليات تفرض “وصاية دولية” أو تتجاوز المؤسسات الشرعية للدولة (الجيش السوداني و الحكومة القائمة) ..
ترى روسيا في تحركات الإتحاد الأوروبي و المنظمات الإسكندنافية (مثل CMI) محاولات لإعادة تشكيل المشهد السياسي لصالح نخب مدنية معينة معزولة عن الداخل ..
إن حدود الدعم الروسي يمكن أن يصل لإستخدام حق النقض (Veto) في مجلس الأمن لمنع أي قرار يفرض عقوبات أحادية أو يحاول إدخال قوات دولية أو يمنح مشروعية لكيانات موازية .
موسكو تبحث عن موطئ قدم إستراتيجي على البحر الأحمر و تأمين مصالحها و تعتبر الدولة السودانية الشرعية هي الشريك الوحيد القادر على منح هذه الإمتيازات .
الصين .. تفضل بكين دائماً العمل عبر القنوات الرسمية للدول و تتحفظ بشدة على التدخل في الشؤون الداخلية تحت غطاء “التحول الديمقراطي” أو “المجتمع المدني” ..
و أنها لن تسمح بتمرير قرارات تدمر البنية المؤسسية للدولة السودانية نظراً لإستثماراتها التاريخية في قطاع الطاقة و البنية التحتية و مع ذلك تميل الصين إلى الدبلوماسية التوفيقية و تجنب المواجهة الحادة و لكنها في كل الأحوال ستصوت لصالح الشرعية السودانية في حال وجود تنسيق عالي المستوى يضمن حماية مؤسسات الدولة .
المحور الإقليمي .. بين الضغط الأوروبي و القيود الداخلية.
الإتحاد الأفريقي يمر بأزمة تمويل مزمنة و تعتمد مفوضيته بشكل كبير على المساعدات و الميزانيات التشغيلية المقدمة من الإتحاد الأوروبي .. هذا الإرتباط المالي يجعله مستجيباً للضغوط و المبادرات التي يخطط لها الغرب و مع ذلك يعاني الإتحاد من إنقسامات داخلية ، فالعديد من الدول الأفريقية تخشى من أن تصبح “سوابق التدخل و تجميد العضوية” أداة تُشهر ضدها مستقبلاً ، مما يخلق نوعاً من المقاومة الصامتة داخل أروقة أديس أبابا ضد الإملاءات الأوروبية الفجة .
جامعة الدول العربية و المواقف الوازنة .. مصر تمثل حجر الزاوية في رفض أي مسار يمس بمؤسسات الدولة السودانية أو يسهم في تفكيك الجيش و ترى في الأزمة السودانية قضية أمن قومي مباشر و تتحفظ علناً و سراً على “منصات أديس أبابا” و “برلين” التي تتجاوز الحكومة السودانية و تساوي بين مؤسسة الجيش و المليشيا و عموما هي دائما تضغط باتجاه مسارات مثل “دول الجوار” أو “مسار القاهرة” لضمان دور محوري للدولة السودانية .
المملكة العربية السعودية .. تتمسك بـ “منبر جدة” كإطار أساسي معترف به دولياً و تحديداً في شقه الإنساني و العسكري (وقف إطلاق النار) و هي تنظر بريبة إلى محاولات سحب البساط نحو منصات أوروبية – أفريقية قد تؤدي إلى تعقيد المشهد و تفضل حلاً يحافظ على وحدة السودان و استقراره بعيداً عن الاستقطابات الحادة .
قطر .. تدعم الحلول التي تنطلق من الحفاظ على السيادة و الشرعية و توجيه الدعم الإنساني عبر القنوات الرسمية و تتحفظ على أي أجندات إقليمية تسعى لفرض واقع سياسي جديد بالقوة أو عبر واجهات مدنية مصنوعة للخارج .
إن وجود مصر و السعودية و قطر يمثل كابحاً أساسياً لطموحات الأطراف الإقليمية الأخرى (مثل الإمارات) التي تسعى لتمرير أجندتها عبر تمويل مسار أديس أبابا .. هذه الدول الوازنة ترفض أي حل يؤدي إلى “تفكيك الدولة” لأن تداعيات انهيار السودان ستعصف بأمن البحر الأحمر و المنطقة بأسرها .
أراء وتحليلات خبراء و أكاديميين غربيين
هناك تيار متنامٍ بين الأكاديميين و الباحثين في مراكز الفكر الغربية (مثل Chatham House و Crisis Group) و بعض أساتذة العلوم السياسية في جامعات بريطانية و أمريكية) ينتقد بشدة المقاربة الأوروبية الحالية و تتلخص أراؤهم في النقاط التالية :
وهم (الهندسة السياسية المستوردة) .. يرى باحثون غربيون أن الإعتماد على منظمات مثل CMI (مبادرة إدارة الأزمات الفنلندية) أو المنظمات النرويجية لإدارة حوارات النخبة السودانية في العواصم الأوروبية و الأفريقية هو تكرار ل (الفشل النمطي) ..
هذه المنظمات و بحسب التحليلات النقدية تعيش في (فقاعة دبلوماسية) و تتعامل مع مجتمع مدني و نخب سياسية (مقيمة في الفنادق و العواصم) لا يملكون أي رافعة حقيقية أو قاعدة شعبية على الأرض داخل السودان مما يجعل مخرجات هذه المؤتمرات حبراً على ورق .
خطورة إقصاء الشرعية .. ينتقد أكاديميون بارزون تبني الإتحاد الأوروبي لسياسة إقصاء الحكومة السودانية القائمة و الجيش من الترتيبات السياسية .
و يؤكد هؤلاء أن أي محاولة لفرض سلطة مدنية ثالثة دون موافقة المؤسسة العسكرية التي تسيطر على جهاز الدولة الفعلي هي وصفة مؤكدة ل (الصوملة) و تحويل السودان إلى مناطق نفوذ أمراء حرب بدلاً من تحقيق التحول الديمقراطي المزعوم .
التمويل المشبوه و أزدواجية المعايير .. تشير بعض التقارير الغربية المستقلة إلى أن قبول الإتحاد الأوروبي بالتمويل المشترك مع أطراف إقليمية متهمة بخرق حظر تسليح دارفور (في إشارة للإمارات) يضرب مصداقية الأخلاقية للإتحاد الأوروبي ..
الخبراء يرون أن أوروبا في تلهفها لتحقيق أي إختراق دبلوماسي تغض الطرف عن الأسباب الحقيقية لإستمرار الحرب (تدفق السلاح والدعم اللوجستي للمليشيا) و تركز على “العلاقات العامة” عبر ورش العمل و المؤتمرات .
إضعاف القدرة على حماية المدنيين .. يرى أستراتيجيون غربيون أن الهجوم المستمر من المنصات الغربية على شرعية الدولة يضعف قدرة المؤسسات الوطنية على تقديم الخدمات و إدارة العمل الإنساني و يخلق فراغاً إدارياً تستغله الشبكات الإجرامية و المليشيات و هو ما يتناقض تماماً مع الشعارات المرفوعة حول حماية المدنيين .
إن رفض السودان لمخرجات مؤتمر أديس أبابا و التمسك بالسيادة الوطنية مدعوماً بفيتو روسي و صيني محتمل مع تنسيق وثيق مع المحور (القاهرة – الرياض)، قادر تماماً على إفراغ هذا المؤتمر من مضمونه و تحويله إلى مجرد (تظاهرة علاقات عامة) تنتهي ببيانات إنشائية لا يمكن صرفها في الواقع السياسي أو العسكري على الأرض ..
الاتحاد الأوروبي يمر بحالة ضعف و تشتت إستراتيجي (بسبب حرب أوكرانيا و الأزمات الاقتصادية الداخلية) و لا يملك أدوات ضغط حقيقية لفرض إرادته إذا واجه جبهة داخلية و إقليمية متماسكة .