هل “نُعيد الخرطوم للوراء”؟.. إصرار المسؤولين على العودة لـ “شوارع النيل” ينسف أحلام التغيير.
نقد رؤية إعادة إعمار شارع النيل الخرطوم بعد الحرب
الخرطوم لا تحتاج إلى ترميمٍ بائس.. نحن بحاجةٍ إلى “رؤيةٍ حديثة” تستثمر في الشواطئ بدلاً من استغلالها مقراً للبيروقراطية.
متابعات – عاجل نيوز
الطاهر ساتي
في الوقت الذي كان فيه السودانيون يأملون أن تكون “أهوال الحرب” فرصةً قسريةً لطي صفحة العشوائية، فاجأنا وزير المالية بزيارةٍ تفقديةٍ لمباني وزارته بشارع النيل، موصياً بالإسراع في أعمال التأهيل والصيانة. الخبر، في ظاهره إداري، لكن في جوهره يحمل نذير شؤمٍ لمدينةٍ كانت تحلم بأن تُولد من جديد.
إن الإصرار على إعادة مرافق الدولة إلى “شارع النيل” يعني ببساطة أننا قررنا العودة إلى المربع الأول؛ مربع الفوضى والازدحام، حيث تُحتل المساحات الاستراتيجية بما لا يستحق، وتُحرم المدينة من أن تتنفس على ضفاف نيلها.
لقد كانت الحرب، في جانبها الوحيد المضيء، مناسبةً لطرد “مكاتب الوزراء” من قلب الخرطوم، ومنحتنا فرصةً ذهبيةً لتخيل شواطئ النيل كوجهاتٍ سياحيةٍ واستثماريةٍ تدر على الدولة المليارات، لا كمستودعاتٍ للملفات والبيروقراطية.
إن الدول حولنا تتبارى في تحويل شواطئها إلى “أيقوناتٍ حضارية” ومصادر دخلٍ قومي، بينما نحن لا نزال نتمسك بعقلية “المباني الصماء”، ونصرُّ على أن يكون الشاطئ مكاناً لجلوس الموظفين خلف مكاتبهم، بدلاً من أن يكون متنفساً للناس ومحركاً للاقتصاد السياحي.
إن العودة إلى شارع النيل ليست مجرد صيانةٍ لمبانٍ متضررة، بل هي “إعادة إنتاجٍ للعشوائية”.
الخرطوم لا تحتاج إلى ترميمٍ بائسٍ يعيد تكديس الوزارات في وسط المدينة المختنق، بل تحتاج إلى رؤيةٍ حديثةٍ ومواكبةٍ تُعيد إعمار وسط الخرطوم وفق تخطيطٍ حضريٍ متكامل.
إننا أمام مفترق طرق: فإما أن نستغل مرحلة الخراب هذه لنبني مدينة المستقبل، أو نكتفي بترميم “أطلال الماضي” لنستعيد ذات الازدحام وذات الفشل التخطيطي الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه.
إن شواطئ النيل التي وهبها الله لنا، مُهدرةٌ اليوم بمبانٍ حكوميةٍ صماء، وعقولٍ – للأسف – بكماء عن رؤية المستقبل. إن الحنين إلى “شارع النيل” كمركزٍ للحكم هو حنينٌ إلى العجز عن التجديد.
فبدلاً من أن نضع “الوزير” في أثمن قطعة أرضٍ في العاصمة، كان الأجدر بنا أن نضع “الإنسان” و”السياحة” و”الاستثمار” هناك.
إن إعادة إعمار الخرطوم ليست “أسمنت وطوب”، بل هي “إرادةٌ وتخطيط”، وما لم تكن الرؤية أكبر من مجرد صيانة مكاتب، فسنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ، لنعود للخرطوم التي نعرفها..
الخرطوم التي لا يجد فيها المارة متنفساً على النيل، ويجد فيها الوزراء كل ما يحتاجونه من عشوائية.