قصة تحول إثيوبيا إلى دولة حبيسةكيف أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة؟ وهل حُرمت فعلاً من الوصول إلى البحر؟
كيف أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة وتاريخ فقدانها للبحر الأحمر
قراءة تحليلية في مسار استقلال إريتريا عام 1993 وتأثيراته الاستراتيجية والاقتصادية على القرن الأفريقي.
متابعات – عاجل نيوز
تُعد إثيوبيا اليوم أكبر دولة غير ساحلية أو حبيسة في العالم بأسره من حيث الكثافة السكانية، إذ يتجاوز عدد سكانها حاجز المئة وثلاثين مليون نسمة.
لكن هذا الواقع الجغرافي والسياسي لم يكن ثابتاً عبر التاريخ الحديث، فقد تمتلك إثيوبيا لعقود طويلة منفذاً حيوياً ومباشراً على مياه البحر الأحمر عبر سواحل إقليم إريتريا، قبل أن تفقد هذا الإشراف البحري بشكل كامل في عام 1993.
يعود المسار التاريخي لهذه التحولات إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خضعت إريتريا لإدارة بريطانية مؤقتة.
قبل أن تصدر قرارات الأمم المتحدة في عام 1952 القاضية بتأسيس اتحاد فيدرالي يربط بين إثيوبيا وإريتريا مع منح الأخيرة استقلالية ذاتية، وهو ما منح إثيوبيا حق الوصول المباشر للموانئ الاستراتيجية مثل مينائي عصب ومصوع.
لكن مسار الاستقرار الهش انقطع جذرياً في عام 1962 عندما أقدم الإمبراطور هيلا سيلاسي على إلغاء النظام الفيدرالي وضم إريتريا قسراً وبشكل رسمي لتصبح جزءاً من الأراضي الإثيوبية .
الأمر الذي أثار غضب واحتجاجات عارمة أدت إلى اندلاع حرب تحرير مسلحة استمرت لأكثر من ثلاثين عاماً.
ومع حلول عام 1991، نجحت قوات الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا في السيطرة الميدانية على كامل الإقليم بالتزامن مع سقوط نظام منغستو هيلا مريام في أديس أبابا.
وتوجت هذه الأحداث بإجراء استفتاء شعبي واسع النطاق تحت إشراف الأمم المتحدة في أبريل 1993، أسفر عن تصويت أغلبية الساحقة لصالح الاستقلال الكامل،.
لتعلن رسمياً ولادة دولة إريتريا المستقلة في مايو من العام ذاته باعتراف إثيوبي ودولي، وتتحول إثيوبيا بين عشية وضحاها إلى دولة حبيسة مجردة من أي سواحل بحرية مباشرة.
على الصعيد القانوني والدولي، لم تنقطع إثيوبيا عن استخدام البحار تماماً، حيث يقر القانون الدولي ومواثيقه حق الدول الحبيسة في الوصول إلى الموانئ الساحلية عبر أراضي الدول المجاورة استناداً إلى اتفاقيات ثنائية ودولية منظمة.
وفي أعقاب الاستقلال الإريتري مباشرة، واصلت إثيوبيا اعتمادها على مينائي عصب ومصوع لفترة زمنية محدودة، غير أن اندلاع الحرب الحدودية الضارية بين البلدين خلال الفترة بين 1998 و2000 أدى إلى قطيعة تامة وإغلاق نهائي لتلك المنافذ أمام حركة التجارة الإثيوبية.
ومنذ ذلك الحين، تحول الثقل اللوجستي والتجاري لإثيوبيا نحو ميناء جيبوتي الذي بات يستحوذ على أكثر من تسعين بالمائة من حجم تجارتها الخارجية،.
إلى جانب استخدام محدود لبعض الموانئ الأخرى في المنطقة كبدائل مؤقتة لتخفيف الضغط الاقتصادي.
عند طرح التساؤل حول ما إذا كانت إثيوبيا قد حُرمت تعسفياً من البحر، تتباين الإجابات وفق الزاوية المعالجة؛.
فمن المنظور القانوني البحت لم تتعرض لقرار حرمان دولي مباشر، بل فرض الواقع الجديد نفسه نتيجة حق تقرير المصير واستقلال إريتريا المعترف به دولياً،
بينما يرى المنظور الجيوستاسي والسياسي أنها فعلياً فقدت اتصالها المباشر وباتت رهينة لسياسات وتفاهمات دول الجوار.
يفرض هذا الوضع تحديات هيكلية ضخمة على الاقتصاد الإثيوبي، إذ ترتفع تكاليف النقل والاستيراد والتصدير بشكل مستمر بسبب الاعتماد الكلي على البنى التحتية لدول أخرى.
مما يجعل ملف الوصول المستدام إلى البحر الأحمر واحداً من أهم ثوابت الأمن القومي والسياسة الخارجية الإثيوبية المعاصرة وسط تساؤلات مفتوحة حول مستقبل الترتيبات الإقليمية المحتملة.