فيديو وداعه .. من بيع الخضار أمام مسجد في القاهرة إلى تدريس الفيزياء في جامعة ألمانية.. قصة بروفيسور سوداني تهز القلوب
الحرب دفعته إلى النزوح والعمل بعيداً عن تخصصه.. قبل أن تعيد جامعة ألمانية اكتشافه
متابعات – عاجل نيوز
في أحد أحياء القاهرة، كان المشهد يبدو عادياً بالنسبة للمصلين والمترددين على أحد المساجد.
رجل سوداني يقف أمام المسجد، يبيع الخضار على منضدة بسيطة، يتعامل مع الناس بهدوء، ويقضي يومه في محاولة لتوفير احتياجاته في بلد النزوح.
لم يكن أحد تقريباً يعرف أن الرجل الذي يقف أمامهم كل يوم هو بروفيسور سوداني، وأن خلف تلك المنضدة البسيطة سنوات طويلة قضاها في قاعات الجامعة، وأنه كان أستاذاً للفيزياء في جامعة الخرطوم.
كان اسمه حسن عبدالحميد.
وبالنسبة لأهالي المنطقة والمصلين، كان ببساطة "العم حسن"، الرجل الذي يبيع الخضار بالقرب من المسجد.
أما خلف هذا الاسم، فكانت هناك حكاية أخرى تماماً.
حكاية أستاذ جامعي اضطرته الحرب في السودان إلى مغادرة حياته الأكاديمية، والنزوح بعيداً عن جامعته وطلابه ومكانته المهنية، ليجد نفسه في القاهرة يعمل في مهنة لا تشبه مسيرته العلمية الطويلة.
لم يكن بيع الخضار اختياراً مهنياً جديداً، وإنما كان جزءاً من واقع فرضته ظروف النزوح والحرب.
فالحرب لا تكتفي بإجبار الإنسان على ترك منزله، بل قد تنتزع منه عمله ومكانته الاجتماعية وحياته التي بناها على مدى عقود، وتضعه فجأة أمام سؤال بسيط: كيف أواصل الحياة؟
وهكذا وقف البروفيسور حسن أمام المسجد.
يبيع الخضار.
والناس حوله لا يعرفون شيئاً عن حكايته.
لكن العلم الذي حمله الرجل طوال سنوات لم يختفِ.
في يوم من الأيام، وقعت عيناه على إعلان عن وظيفة أستاذ في إحدى الجامعات الألمانية المعروفة.
كانت فرصة للعودة إلى المكان الذي ينتمي إليه.
مكان الجامعة وقاعات التدريس والطلاب.
قرر التقديم.
أرسل سيرته الذاتية، مرفقة بشهاداته وخبراته الأكاديمية وسنوات عمله في مجال التدريس الجامعي.
وكان واحداً من بين مئات المتقدمين للوظيفة.
ثم حدث ما لم يكن يتوقعه.
تلقى اتصالاً من الملحقية الثقافية بالسفارة الألمانية في القاهرة.
لم يكن الاتصال عادياً.
أُبلغ خلاله بأن الجامعة اختارته لشغل الوظيفة، وطُلب منه التوجه إلى السفارة وإحضار جواز سفره لاستكمال الإجراءات.
ذهب الرجل الذي عرفه الناس بائعاً للخضار إلى السفارة الألمانية، ليظهر هناك وجه آخر من شخصيته.
أستاذ جامعي.
بروفيسور.
وصاحب سنوات من الخبرة الأكاديمية.
استُكملت الإجراءات، وتم تحديد موعد سفره، فيما تكفلت الجامعة بتذاكر السفر.
وهكذا، بدأ المشهد الأخير من قصة مختلفة تماماً.
المصلون في مسجد حي الفيصل بالقاهرة الذين اعتادوا رؤية "العم حسن" أمام المسجد، جاء وقت وداعه.
وهناك اكتشفوا الحقيقة التي لم يعرفوها طوال الفترة الماضية.
الرجل الذي كانوا يشترون منه الخضار كان بروفيسوراً سودانياً وأستاذاً للفيزياء بجامعة الخرطوم.
يا لها من مفارقة تختصر مرارة الحرب.
بروفيسور يقف أمام مسجد يبيع الخضار، بينما يحمل في داخله علماً وخبرة وشهادة وماضياً أكاديمياً طويلاً.
لم يكن أحد يرى الأستاذ الجامعي خلف منضدة الخضار.
لكن الجامعة الألمانية رأته.
قرأت سيرته الذاتية، واطلعت على شهاداته وخبراته، ثم قررت أن تمنحه فرصة جديدة.
ومن القاهرة، التي احتضنته في واحدة من أصعب مراحل حياته، يغادر حسن عبدالحميد إلى ألمانيا، ليعود مرة أخرى إلى قاعات الجامعة، وهذه المرة أستاذاً للفيزياء في جامعة ألمانية.
قصة البروفيسور حسن ليست قصة نجاح فردية فقط.
إنها مرآة لواقع آلاف السودانيين الذين فرقتهم الحرب عن أعمالهم ومنازلهم ومؤسساتهم، وجعلتهم يعيشون حياة لا تشبه ما كانوا عليه قبل اندلاع الصراع.
أطباء وجدوا أنفسهم بعيدين عن المستشفيات.
مهندسون اضطروا إلى العمل في مجالات أخرى.
أساتذة جامعات غادروا قاعات المحاضرات.
وأصحاب شهادات وخبرات أصبحوا يبحثون عن أي فرصة تساعدهم على مواصلة الحياة.
الحرب غيّرت مهنهم، وأماكنهم، وخططهم، لكنها لم تستطع دائماً أن تنتزع منهم ما يحملونه من علم وخبرة وطموح.
ولهذا تبدو قصة حسن عبدالحميد مختلفة.
فمن أمام مسجد في القاهرة، حيث كان يقف بائعاً للخضار، تبدأ رحلة جديدة نحو جامعة ألمانية.
وبين المنضدة البسيطة وقاعة المحاضرات، تختصر القصة شيئاً من مأساة السودانيين في زمن الحرب، لكنها تحمل في نهايتها جرعة من الأمل.
فقد يضع النزوح الإنسان في مكان لم يتخيله، وقد تجبره الظروف على ممارسة عمل بعيد عن تخصصه، لكن ذلك لا يعني أن قصته انتهت.
أحياناً يحتاج الأمر إلى فرصة واحدة فقط حتى تعود الحياة إلى المسار الذي اختطفته الحرب.
وهذه المرة، جاءت الفرصة من إعلان وظيفة في جامعة ألمانية.
ليغادر "العم حسن" القاهرة، ويترك خلفه من عرفوه بائعاً للخضار، متجهاً إلى ألمانيا ليعود إلى ما يعرفه جيداً.
إلى الفيزياء.
إلى الجامعة.
وإلى حياته الأكاديمية التي ظن كثيرون أنها ضاعت خلف الحرب والنزوح.
قصة بروفيسور سوداني تهز القلب، لأنها لا تحكي فقط عن رجل وجد وظيفة في ألمانيا، وإنما عن وطن أجبر أحد أساتذته على بيع الخضار أمام مسجد، قبل أن تأتيه فرصة تثبت أن خلف ذلك الرجل الذي أنهكته الحرب، كان لا يزال يقف أستاذ جامعي يحمل علماً وخبرة وحلماً لم يمت.
⛔️ شاهد الفيديو من هنا 👇