لماذا تأخر الجيش بعد تحرير بارا؟»..و ما وراء الهدوء في شمال كردفان
لماذا تأخر الجيش بعد تحرير بارا؟
من جبهة الصحراء إلى النيل الأزرق.. هل تحولت المعركة إلى اصطياد متحركات التمرد قبل استئناف التقدم؟
متابعات – عاجل نيوز
منذ استعادة القوات المسلحة وحلفائها مناطق مهمة في شمال كردفان، وعلى رأسها بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، برز سؤال يتكرر في الأوساط السودانية: لماذا لم يتواصل التقدم العسكري بالسرعة التي توقعها البعض باتجاه حمرة الشيخ وسودري ثم غرب كردفان؟
الإجابة الأقرب، وفق قراءة مجمل التطورات الميدانية الأخيرة، قد لا تكون مرتبطة بتراجع القدرة على التقدم، بقدر ما ترتبط بتغير طبيعة المعركة نفسها، وانتقال التركيز من الاستيلاء السريع على المدن إلى التعامل مع التحركات العسكرية وخطوط الإمداد ومصادر التهديد قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمليات.
وتشير تقارير ميدانية حديثة إلى أن الجيش عزز سيطرته على أجزاء مهمة من طريق الصادرات في شمال كردفان، فيما حاولت قوات الدعم السريع تنفيذ هجمات مضادة لاستعادة المبادرة. كما تعرضت مواقع في المنطقة لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة.
المعركة لم تعد في اتجاه واحد
اللافت خلال الأسابيع الأخيرة أن مسرح العمليات السوداني لم يعد محصوراً في شمال كردفان.
ففي الوقت الذي كان فيه الجيش يثبت مواقعه الجديدة في بارا والمناطق المحيطة بها، ظهرت جبهات نشطة في جبرة الشيخ والنيل الأزرق وغرب كردفان، إلى جانب تحركات على الحدود الغربية.
وفي 13 أغسطس، أعلنت مصادر عسكرية أن الجيش تصدى لهجوم كبير شنته قوات الدعم السريع على جبرة الشيخ، بينما كانت المعارك تتصاعد في النيل الأزرق.
وهنا تبدو أهمية السؤال: هل كان المطلوب من الجيش مواصلة الاندفاع غرباً، أم التعامل أولاً مع الهجمات المضادة التي بدأت تظهر على أكثر من محور؟
الهجوم المضاد كشف تغير الحسابات
بعد استعادة بارا وجبرة الشيخ، لم تتوقف محاولات الدعم السريع للعودة إلى المنطقة.
بل تشير تقارير إلى أن قوات الدعم السريع نفذت هجوماً واسعاً على جبرة الشيخ باستخدام أكثر من 250 عربة قتالية، في محاولة لاستعادة المنطقة وإعادة تشكيل خطوطها الدفاعية والهجومية.
وفي 17 أغسطس، أعلن الجيش إسقاط طائرتين مسيرتين في شمال كردفان، ليرتفع عدد المسيّرات التي قال إنه أسقطها في إقليم كردفان إلى سبع منذ يونيو، في ظل تكثيف الدعم السريع هجماته بالطائرات المسيّرة على بارا وجبرة الشيخ وطريق الصادرات.
وهذا التطور مهم للغاية.
فالسيطرة على مدينة أو طريق لا تعني بالضرورة انتهاء المعركة حوله، خصوصاً عندما يمتلك الطرف الآخر القدرة على شن هجمات بعيدة نسبياً ومحاولة قطع خطوط الإمداد أو استنزاف القوات الموجودة في المواقع الجديدة.
من بارا إلى الصحراء
الزاوية الأخرى في المشهد تتمثل في الحدود الغربية.
فخلال الأيام الأخيرة ظهرت تقارير عن تحركات لقوات الدعم السريع في المناطق القريبة من الحدود الثلاثية بين السودان وليبيا وتشاد، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت تجمعات وقوافل عسكرية.
كما تحدثت تقارير عن تكثيف مراقبة الحدود الغربية وطرق الإمداد، في وقت كانت فيه العمليات الجوية تستهدف تجمعات للدعم السريع في عدة مناطق بغرب كردفان.
وهذا يعني أن أي تقدم بري واسع للجيش بات يحتاج إلى حساب مسألة أخرى: ماذا يحدث خلف القوات المتقدمة؟
فالتقدم باتجاه حمرة الشيخ وسودري وغرب كردفان يفتح مساحات واسعة، ويحتاج إلى تأمين الطرق والمحاور ومنع القوات المعادية من الالتفاف أو إعادة تشكيل نفسها في مناطق أخرى.
النيل الأزرق.. جبهة لا يمكن تجاهلها
في الجهة المقابلة من البلاد، شهد النيل الأزرق تطورات عسكرية كبيرة.
وشهدت قيسان، القريبة من الحدود الإثيوبية، معارك عنيفة خلال أغسطس، في وقت تحدثت تقارير عن تحركات لقوات الدعم السريع وحلفائها في المنطقة. كما ارتبطت التطورات باستخدام مكثف للطائرات المسيّرة.
وفي 23 أغسطس، أعلنت القوات المسلحة إسقاط مسيّرة وصفتها بأنها «استراتيجية» جنوب شرقي دندرو بولاية النيل الأزرق، وقالت إنها عبرت الحدود من اتجاه إثيوبيا، بعد إعلان مماثل في اليوم السابق.
كما أفادت تقارير عن ضربات استهدفت تجمعات للدعم السريع في غرب كردفان وقافلة عسكرية قرب المثلث الحدودي بين السودان وليبيا وتشاد.
وبالتالي، فإن الحديث عن «تأخر الجيش بعد تحرير بارا» بمعزل عن هذه الجبهات قد يعطي صورة ناقصة عن طبيعة المعركة الحالية.
هل ينتظر الجيش اكتمال الصورة؟
من الصعب الجزم بما يدور داخل غرف العمليات العسكرية، ولا توجد معلومات مستقلة تؤكد أن الجيش تعمد التوقف تحديداً انتظاراً لوصول متحركات من ليبيا وتشاد ثم تدميرها.
لكن تسلسل الأحداث يسمح بطرح فرضية مختلفة: أن الأولوية العسكرية خلال هذه المرحلة قد تكون لتقليص قدرة الدعم السريع على شن هجمات مضادة وتأمين المحاور، قبل تنفيذ تقدم بري جديد.
وهذه ليست مجرد فرضية نظرية؛ فالتقارير الأخيرة تتحدث عن تركيز واضح على ضرب المسيّرات، استهداف التجمعات، تأمين طرق الصادرات، ومراقبة الحدود ومسارات الإمداد.
الهدف الأكبر: منع إعادة تشكيل القوة
تكمن خطورة أي تقدم سريع في حرب بهذا الحجم في أن القوات المتراجعة يمكن أن تعيد تنظيم صفوفها بعيداً عن المدن التي فقدتها.
ولهذا، فإن ضرب القوة المتحركة قبل وصولها إلى خطوط المواجهة قد يكون، عسكرياً، أكثر أهمية من مطاردة قوات انسحبت بالفعل من مدينة أو منطقة.
وتشير دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية لأفريقيا إلى أن الحرب السودانية أصبحت أكثر تعقيداً مع وجود عدد كبير من الجماعات المسلحة والتحالفات المتغيرة، وهو ما يجعل المشهد الميداني غير قابل للاختزال في مواجهة بسيطة بين قوتين فقط.
ولهذا أيضاً، فإن أي عملية واسعة في كردفان تحتاج إلى التعامل مع شبكة من التحالفات والمجموعات المسلحة وخطوط الإمداد، وليس فقط مع القوات الموجودة داخل المدن.
هل بارا كانت بداية مرحلة جديدة؟
استعادة بارا وجبرة الشيخ مثلت تحولاً مهماً في خريطة شمال كردفان، خصوصاً بسبب موقع المنطقة بالنسبة إلى طريق الصادرات والطرق التي تربط كردفان بالعاصمة ومناطق أخرى.
وأشارت تقارير إلى أن الجيش عزز سيطرته على أجزاء مهمة من الطريق بعد هجوم يوليو، وأن الهدف العسكري كان تأمين الطريق وحماية مدينة الأبيض واستعادة خطوط الاتصال مع أم درمان.
لكن المرحلة التالية تبدو أكثر تعقيداً.
فالمسألة لم تعد مجرد تحرير مدينة، وإنما كيفية الحفاظ عليها، وتأمين الطرق خلفها، ومنع الهجمات المعاكسة، وقطع الإمدادات، ثم اختيار المحور الأنسب للتقدم التالي.
الخلاصة
لذلك، فإن السؤال ربما لا ينبغي أن يكون فقط: «لماذا تأخر الجيش بعد تحرير بارا؟»
بل: ماذا كان يحدث على بقية الجبهات أثناء تثبيت الجيش مواقعه الجديدة؟
المشهد الميداني خلال أغسطس يعطي مؤشرات على أن الحرب دخلت مرحلة تعتمد بدرجة أكبر على الاستنزاف والضربات الجوية والدفاع الجوي وقطع الإمدادات ومراقبة الحدود، بالتزامن مع محاولات كل طرف إعادة ترتيب قواته.
ومن شمال كردفان إلى غرب كردفان، ومن الحدود الليبية التشادية إلى النيل الأزرق، تتسع رقعة المواجهة وتتداخل المحاور.
ولهذا فإن التقدم العسكري المقبل، إذا حدث، قد لا يكون مجرد اندفاع بري جديد، بل نتيجة لسلسلة من العمليات التي تستهدف أولاً تقليص قدرة الخصم على الحشد والإمداد وإعادة الانتشار.
وبعبارة أبسط: في هذه المرحلة من الحرب، قد يكون «التأخر» في التقدم جزءاً من المعركة نفسها، وليس بالضرورة علامة على التراجع.
والأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه التحركات تمثل تمهيداً لعملية برية جديدة في اتجاه حمرة الشيخ وسودري وغرب كردفان، أم أن طبيعة الجبهات ستفرض على الجيش حسابات مختلفة.