عاجل نيوز
عاجل نيوز

لماذا آمنة ميرغني تحديدًا؟ رقم يشعل جدل البنك المركزي

مخصصات آمنة ميرغني.. رقم يشعل جدل البنك المركزي

 

خبير اقتصادي يفكك أرقام المخصصات ويحذر من بلبلة تهدد الثقة

 

متابعات – عاجل نيوز

أثارت مخصصات آمنة ميرغني حسن التوم، محافظ بنك السودان المركزي، جدلًا واسعًا عقب تداول أرقام عبر منصات إعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن حجم الإنفاق على المناصب العليا في الدولة، في وقت يواجه فيه السودانيون أوضاعًا اقتصادية صعبة وتراجعًا في القوة الشرائية واضطرابًا في سوق الصرف.

لكن الجدل لم يتوقف عند سؤال: كم تبلغ هذه المخصصات؟ بل انتقل إلى سؤال أكثر حساسية: لماذا آمنة ميرغني تحديدًا؟ وهل الأرقام المتداولة تستند إلى وثائق رسمية وبيانات مكتملة، أم أن رقمًا جرى تداوله على نطاق واسع أصبح بمرور الوقت وكأنه حقيقة ثابتة؟

وفي قراءة اقتصادية للمشهد، يرى البروفيسور محجوب هجّانة، الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي والباحث في الشؤون الاقتصادية، أن التعامل مع الأرقام الاقتصادية يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، خصوصًا عندما ترتبط بشخصية تشغل منصبًا حساسًا مثل محافظ البنك المركزي.

الرقم وحده لا يكفي

ويشير هجانة إلى أن السؤال الاقتصادي لا يبدأ من الرقم فقط، بل من مصدره وطريقة احتسابه والفترة الزمنية التي يغطيها والمكونات التي تدخل في تكوينه.

ففي علم الاقتصاد القياسي، لا يمكن اعتبار مجرد وجود علاقة بين متغيرين دليلًا على السببية. وإذا قيل إن مخصصات مسؤول بعينه تقف وراء التضخم أو تدهور سعر الصرف، فإن إثبات مثل هذا الادعاء يحتاج إلى بيانات ونماذج وتحليل يأخذ في الاعتبار المتغيرات الأخرى المؤثرة في الاقتصاد.

وبمعنى آخر، فإن تداول الرقم بصورة متكررة لا يحوله تلقائيًا إلى دليل، كما أن ارتفاع الرقم لا يعني بالضرورة أنه يمثل مخالفة مالية.

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

من منظور الاقتصاد العام، يرى الخبير الاقتصادي أن السؤال الأهم لا يتعلق بحجم الإنفاق فقط، وإنما بكفاءة الإنفاق العام.

فأي مخصصات مالية لمسؤول أو مؤسسة ينبغي تقييمها وفق معايير واضحة تشمل طبيعة الوظيفة، وحجم المسؤوليات، والعائد المؤسسي، وتكلفة الفرصة البديلة، ومدى توافق الإنفاق مع اللوائح والقوانين.

وهنا تبرز أهمية المقارنة؛ فإذا كانت الدولة تريد حماية المال العام، فإن المعيار ينبغي أن يطبق على جميع المسؤولين والمواقع القيادية، لا أن يصبح مرتبطًا بشخص واحد دون غيره.

محافظ البنك المركزي ومنصب شديد الحساسية

ويكتسب الجدل حول مخصصات آمنة ميرغني حساسية إضافية بسبب طبيعة منصب محافظ البنك المركزي، الذي يرتبط بملفات شديدة التأثير في الاقتصاد، من بينها السياسة النقدية، والسيولة، والاستقرار المالي، وسوق الصرف والاحتياطيات.

ولا يعني ذلك أن طبيعة المنصب تمنح صاحبه حصانة من المساءلة، وإنما تعني أن تقييم تكلفة المنصب ينبغي أن يتم في إطار مؤسسي واضح، مع الفصل بين مشروعية المخصصات وبين أي مخالفات محتملة.

هل تفسر المخصصات الأزمة الاقتصادية؟

يطرح الجدل الشعبي أحيانًا أرقامًا محددة باعتبارها جزءًا من تفسير الأزمة الاقتصادية، لكن الاقتصاد السوداني يواجه عوامل أوسع بكثير.

فالحرب وما ترتب عليها من تراجع الإنتاج، واضطراب النشاط التجاري، وضعف الإيرادات، والاختلالات المالية، وشح النقد الأجنبي، وتقلبات سعر الصرف، كلها عوامل متشابكة تؤثر في مستويات الأسعار والاستقرار الاقتصادي.

ومن الصعب اقتصاديًا اختزال أزمة بهذا الحجم في مخصصات مسؤول واحد، مهما كان حجمها.

خطر آخر: من الرقم إلى فقدان الثقة

ويحذر هجانة من أن تداول معلومات مالية غير مكتملة يمكن أن ينتج أثرًا يتجاوز الشخص الذي تدور حوله القضية.

فعندما ينتشر رقم بلا وثيقة واضحة، ثم يعاد نشره عشرات أو مئات المرات، قد يتحول تدريجيًا من معلومة تحتاج إلى التحقق إلى قناعة عامة، ثم إلى شبهة تمس الشخص والمؤسسة معًا.

وهنا تظهر مشكلة اقتصادية حقيقية، لأن الثقة في المؤسسات تمثل جزءًا من البيئة الاقتصادية، وتراجعها يزيد حالة عدم اليقين ويجعل التعامل مع المؤسسات والسياسات العامة أكثر صعوبة.

كيف خرجت المعلومة؟

هناك سؤال آخر يستحق التحقيق، بحسب الرؤية التي يطرحها الخبير، وهو مصدر البيانات المتداولة وطريقة وصولها إلى المجال العام.

فإذا كانت الأرقام ذات طبيعة داخلية أو تتعلق ببيانات مالية غير منشورة، فإن معرفة كيفية الحصول عليها لا تقل أهمية عن مناقشة مضمونها.

غير أن التسريب، في حد ذاته، لا يثبت فسادًا، كما أن نشر رقم لا يثبت تلقائيًا وجود مخالفة. المسألة تحتاج إلى وثائق وتحقيق مهني يحدد مصدر البيانات وصحتها والسياق الذي وردت فيه.

الدليل أولًا

في النهاية، لا تعني المطالبة بالشفافية إعفاء المسؤولين من المساءلة، كما لا يعني النقد الاقتصادي إدانة الأشخاص قبل اكتمال الأدلة.

إذا كانت مخصصات آمنة ميرغني قد جرى تضخيمها أو عرضها خارج سياقها، فإن الوثائق الرسمية قادرة على حسم الجدل. وإذا كانت الأرقام صحيحة وتتضمن مخالفات، فإن الطريق الطبيعي هو التحقيق والمساءلة وفق القانون.

لكن إذا كان الهدف هو حماية المال العام، فإن السؤال الأكبر يجب ألا يكون: لماذا آمنة ميرغني وحدها؟

بل: هل توجد معايير موحدة وشفافة تنطبق على مخصصات جميع شاغلي المناصب العامة؟

وهنا تتحول القضية من جدل حول اسم إلى نقاش أوسع حول إدارة المال العام، وكفاءة الإنفاق، وشفافية المؤسسات الاقتصادية.

فالاقتصاد لا يحكم بالأسماء وحدها، وإنما بالبيانات والسياسات والحوافز والنتائج.

والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل الرقم المتداول عن مخصصات آمنة ميرغني يكشف بالفعل خللًا ماليًا يحتاج إلى مساءلة، أم أن طريقة تداوله صنعت أزمة ثقة أكبر من الرقم نفسه؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.