عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار

«بنكك» يتعطل والدولار يواصل الصعود.. من المستفيد من اختناق السيولة؟

تعطل بنكك في السودان.. هل يقود توقف التحويلات إلى إعادة تشكيل سوق الدولار؟

 

تعثر التحويلات الإلكترونية يربك الأسواق ويعيد الجدل حول الكاش وسوق العملات في السودان

 

متابعات – عاجل نيوز

لم يعد تعطل تطبيق «بنكك» مجرد مشكلة تقنية عابرة بالنسبة لملايين السودانيين، بعدما تحول التطبيق خلال سنوات الحرب إلى إحدى أهم أدوات التعامل المالي اليومي، في ظل تراجع استخدام المصارف التقليدية ونقص السيولة النقدية واتساع الاعتماد على التحويلات الإلكترونية.

ومنذ بداية سبتمبر، تكررت شكاوى المستخدمين من تعثر الخدمة، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على حركة البيع والشراء في عدد من الأسواق. وتحدثت تقارير إعلامية عن مواطنين وتجار واجهوا صعوبات في إتمام معاملاتهم بسبب توقف أو اضطراب التطبيق، فيما أشارت تغطيات أخرى إلى أن الأزمة جاءت بالتزامن مع ارتفاع حاد في أسعار الدولار بالسوق الموازية.

وفي مقاله المنشور عبر «الزاوية نت»، يطرح الكاتب محمد ضياء الدين قراءة مختلفة لأسباب الأزمة، متسائلاً عما إذا كان تعطل «بنكك» مرتبطاً بمحاولة أوسع لإعادة ترتيب سوق النقد الأجنبي، وليس مجرد عطل تقني.

ويذهب الكاتب إلى فرضية مفادها أن إخراج شريحة واسعة من المتعاملين من سوق التحويلات الإلكترونية، مع بقاء السيولة النقدية محدودة، قد يمنح أصحاب الكاش قدرة أكبر على الحركة والشراء في سوق العملات.

وتقوم هذه القراءة على معادلة بسيطة لكنها شديدة التأثير في اقتصاد يعاني نقص السيولة: المواطن الذي يحتفظ بأمواله إلكترونياً قد يجد نفسه غير قادر على استخدامها، بينما يصبح النقد الورقي أكثر قيمة بالنسبة إلى من يريد شراء السلع أو العملات الأجنبية.

وبحسب المقال، فإن المشكلة لا تتوقف عند توقف التحويلات، وإنما تمتد إلى القيمة الحقيقية للأموال الموجودة داخل الحسابات الإلكترونية. فحتى إذا ظل الرصيد كما هو من الناحية الاسمية، فإن استمرار تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار يعني انخفاض القوة الشرائية لهذا الرصيد مع مرور الوقت.

وتبرز هنا مفارقة اقتصادية لافتة: أموال المواطن موجودة، لكنها قد تصبح غير متاحة في اللحظة التي يحتاج فيها إلى استخدامها، بينما يستطيع صاحب السيولة النقدية استغلال الظرف للتحرك في السوق.

لكن هذه الفرضية لا تحسم وحدها سبب تعطل التطبيق.

فتغطيات مستقلة أكدت أن تعثر «بنكك» تسبب فعلاً في إرباك الأسواق وحركة المواطنين، بينما أشارت تقارير أخرى إلى وجود تحديثات ومحاولات لمعالجة المشكلة، ما يجعل الجانب التقني جزءاً قائماً من تفسير الأزمة. كما أن الحديث عن وجود قرار متعمد لتعطيل التطبيق يحتاج إلى أدلة مباشرة من الجهات المصرفية المختصة قبل اعتباره حقيقة مؤكدة.

غير أن استمرار الأزمة في ظل ارتفاع الدولار يفرض سؤالاً اقتصادياً آخر: ماذا يحدث عندما يتزامن نقص السيولة مع تراجع الثقة في العملة المحلية؟

في مثل هذه الظروف، يميل أصحاب الأموال إلى البحث عن وسائل لحماية مدخراتهم من انخفاض القيمة، سواء بشراء الدولار أو الذهب أو السلع، وهو ما قد يزيد الضغط على الجنيه ويغذي النشاط في السوق الموازية.

وهنا تصبح مشكلة «بنكك» أكبر من التطبيق نفسه. فإذا تعطلت وسيلة الدفع التي يعتمد عليها المواطن والتاجر، فإن آثار ذلك تنتقل سريعاً إلى الأسواق، لأن المعاملة التجارية في الاقتصاد السوداني أصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة بسرعة التحويل الإلكتروني.

وتشير تغطيات ميدانية إلى أن تعثر الخدمة تسبب بالفعل في تعطيل عمليات البيع والشراء، ووصل أثره إلى أسواق خارج الخرطوم، بما في ذلك ود مدني، حيث اشتكى متعاملون من توقف جزء من النشاط التجاري نتيجة صعوبة إتمام التحويلات.

وفي الوقت نفسه، فإن ربط انهيار الجنيه بتعطل التطبيق وحده سيكون تبسيطاً لأزمة اقتصادية أعمق. فهناك عوامل أخرى تضغط على العملة، من بينها ضعف الإنتاج والصادرات، وشح النقد الأجنبي، وتوسع الاقتصاد الموازي، وتكاليف الحرب والإنفاق المرتبط بها، إضافة إلى تراجع الثقة في الجنيه.

ومن هذه الزاوية، فإن «بنكك» قد يكون مرآة للأزمة أكثر من كونه سبباً لها.

فحين تتراجع قيمة العملة وترتفع الأسعار ويعتمد الناس بصورة أكبر على التحويلات الإلكترونية، يصبح أي خلل في النظام المصرفي قادراً على إحداث اضطراب واسع في الحياة اليومية.

أما السؤال الأكثر حساسية الذي يطرحه مقال محمد ضياء الدين فهو: من المستفيد عندما يصبح الكاش أكثر أهمية من الرصيد الإلكتروني؟

هذه النقطة تظل فرضية تحليلية وليست نتيجة مثبتة. لكن طرحها يكشف جانباً مهماً من اقتصاد الحرب، حيث يمكن أن يتحول الوصول إلى السيولة النقدية أو العملات الأجنبية إلى مصدر نفوذ اقتصادي كبير.

وفي المقابل، فإن استمرار تعطل الخدمات المصرفية الإلكترونية لفترات طويلة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً؛ فقد يفقد المواطن ثقته في النظام المصرفي، ويدفعه ذلك إلى الاحتفاظ بالنقد خارج البنوك أو تحويل مدخراته إلى الدولار والذهب والسلع، الأمر الذي يزيد الضغط على الجهاز المصرفي وعلى العملة المحلية.

وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط: لماذا تعطل «بنكك»؟

السؤال الأوسع هو: كيف يمكن حماية أموال المواطنين وضمان استمرار الخدمات المصرفية في اقتصاد يعتمد عليها بهذا الحجم؟

فإذا كان السبب تقنياً، فإن المطلوب إعلان واضح يشرح طبيعة الخلل وخطة المعالجة والمدة المتوقعة لعودة الخدمة. وإذا كانت هناك إجراءات رقابية أو مصرفية مرتبطة بمكافحة المضاربة أو غسل الأموال أو استخدام التطبيقات في تجارة العملات، فإن الشفافية تظل ضرورية حتى لا تتحول الإجراءات إلى أزمة ثقة.

وفي كل الأحوال، تكشف أزمة تعطل «بنكك» عن هشاشة أكبر في الاقتصاد السوداني: عندما يصبح تطبيق مصرفي واحد جزءاً أساسياً من حركة الأسواق ومعاش الناس، فإن استقرار النظام المالي لم يعد قضية مصرفية تخص البنوك وحدها، وإنما أصبح قضية اقتصادية تمس حياة المواطن مباشرة.

ويبقى صعود الدولار في ظل استمرار اضطراب التحويلات الإلكترونية واحداً من أهم المؤشرات التي تستحق المتابعة، ليس فقط لمعرفة اتجاه سعر الصرف، وإنما لفهم العلاقة بين السيولة والكاش والتحويلات الإلكترونية وسوق العملات في اقتصاد يعيش واحدة من أعقد أزماته منذ اندلاع الحرب.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.